بقلم: الباز عبدالإله
يتحول النقاش داخل قطاع المغاربة المقيمين بالخارج، في ضوء المعطيات التي أوردتها النقابة الوطنية لموظفي القطاع، من مجرد خلاف إداري أو تنظيمي إلى سؤال أعمق يرتبط بمدى جاهزية الإدارة المعنية لمواكبة ورش مؤسساتي حساس، ينتظر منه أن يعيد ترتيب علاقة الدولة بملايين المغاربة المقيمين عبر العالم.
فحسب مذكرة إخبارية مطولة صادرة عن النقابة الوطنية لموظفي قطاع المغاربة المقيمين بالخارج، المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، ونقلت مضامينها جريدة “العمق”، سجلت النقابة جملة من الملاحظات المرتبطة بما تعتبره اختلالات في الحكامة والتدبير، مؤكدة أن السنوات الأخيرة عرفت، وفق تقديرها، تراجعاً في وضوح الرؤية، وضعفاً في التواصل الداخلي، وتنامياً لمركزية القرار، مقابل غياب استراتيجية معلنة تحدد الأولويات والأهداف وآليات التقييم.
ولا تكتسي هذه الملاحظات طابعاً إدارياً صرفاً، لأنها تهم قطاعاً يرتبط بفئة واسعة من المواطنين المغاربة في الخارج، ظلت حاضرة بقوة في التوجيهات الملكية والخطابات الرسمية، باعتبارها امتداداً بشرياً واقتصادياً وثقافياً للمغرب.
لذلك، فإن أي ارتباك في تدبير هذا الملف لا يبقى محصوراً داخل الإدارة، بل يطرح سؤال النجاعة المؤسساتية في التعامل مع ملف سيادي تتقاطع فيه السياسة العمومية، والخدمات الاجتماعية، والهوية، والاستثمار، والدبلوماسية الموازية.
وتشير المذكرة، وفق المصدر ذاته، إلى ما تصفه النقابة بإعادة ترتيب غير معلنة لمنظومة العمل داخل القطاع، من خلال إحداث آليات موازية للتدبير خارج الأطر التنظيمية المعتمدة.
وتعتبر النقابة أن هذا الوضع ساهم في تهميش عدد من المسؤولين والكفاءات، وإبعادهم عن دوائر القرار، في مرحلة كان يفترض فيها تعبئة الخبرات المتراكمة داخل القطاع، لا إضعاف حضورها أو تقليص أدوارها.
ويمتد النقاش أيضاً إلى البرامج الموجهة لفائدة مغاربة العالم، حيث تحدثت النقابة عن تجميد أو توقيف عدد من البرامج الاجتماعية والثقافية والتربوية التي راكمت تجربة ميدانية داخل القطاع.
وهنا يبرز سؤال جوهري حول مصير العرض المؤسساتي الموجه للجالية، خاصة أن تجديد هذا العرض لا يمكن أن يقوم فقط على تغيير البنيات أو التسميات، بل يحتاج إلى وضوح في الرؤية، واستمرارية في البرامج الناجعة، وتقييم موضوعي لما يجب تطويره أو تجاوزه.
كما تضع المذكرة ملف الموارد البشرية في صلب النقاش، من خلال حديثها عن تجريد عدد من الأطر والمسؤولين من اختصاصاتهم الفعلية، وإعفاء بعضهم من مناصب المسؤولية دون تقديم مبررات أو تقييمات مهنية معلنة.
وهي معطيات، إن صحت، تفرض نقاشاً واضحاً حول المعايير المعتمدة في تدبير المسؤوليات داخل القطاع، وحول ما إذا كانت القرارات الإدارية تخضع لمنطق الكفاءة والاستحقاق والتقييم، أم لمنطق آخر يضعف الثقة داخل المؤسسة.
وتزداد حساسية الملف مع إثارة موضوع التعويضات والتحفيزات المهنية، إذ تحدثت النقابة عن تقليص أو توقيف تعويضات عدد من الأطر والمسؤولين دون توضيح المعايير المعتمدة، مقابل منح امتيازات وتعويضات إضافية لفائدة فئة محدودة من الأطر المستقدمة حديثاً أو القريبة من دوائر القرار، وفق ما ورد في المذكرة.
وهذا النوع من الملفات لا يمس فقط الوضعية المالية للمعنيين، بل يؤثر أيضاً في مناخ الثقة داخل الإدارة، لأن الإحساس بعدم الإنصاف يتحول غالباً إلى عامل صامت لإضعاف الأداء وتوسيع دائرة الاحتقان.
وتأتي هذه المعطيات في سياق خاص، يتزامن مع التحضير لتنزيل المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج، باعتبارها ورشاً استراتيجياً ينتظر منه تطوير آليات مواكبة الجالية، وتحديث أدوات التدخل العمومي، وتقوية حضور مغاربة العالم داخل السياسات العمومية.
غير أن نجاح أي مؤسسة جديدة لا يرتبط فقط بالإطار القانوني أو بالاسم المؤسساتي، بل يتوقف أيضاً على جودة الإدارة التي ستواكب هذا الانتقال، وعلى قدرتها على تعبئة الكفاءات، وترسيخ الشفافية، وبناء الثقة داخلياً وخارجياً.
من هذه الزاوية، تبدو مذكرة النقابة أكثر من مجرد تنبيه مهني. إنها تفتح نقاشاً حول حكامة قطاع يوجد اليوم أمام امتحان مؤسساتي دقيق: هل يمكن إنجاح ورش موجه لملايين المغاربة في الخارج داخل إدارة تقول نقابتها إنها تعاني ضعف التواصل، وضبابية القرار، وتراجع الثقة بين المسؤولين والأطر؟
ملف مغاربة العالم لا يمكن التعامل معه كملف موسمي يرتبط بعملية العبور أو بالعطلة الصيفية فقط.
إنه ملف دائم، متعدد الأبعاد، يرتبط بحقوق المواطنين في الخارج، وبصورة المغرب، وبعلاقة الدولة بكفاءاتها المهاجرة، وبقدرتها على تحويل الروابط العاطفية والرمزية مع الجالية إلى سياسات عمومية فعالة وملموسة.
لذلك، فإن المطلوب اليوم لا يقتصر على الرد الإداري على المذكرة النقابية، بل يتطلب فتح نقاش جدي ومسؤول حول حكامة القطاع، ومعايير تدبير المسؤوليات، ومصير البرامج الموجهة للجالية، وشفافية التعويضات والتحفيزات، حتى لا يتحول ورش المؤسسة المحمدية إلى عنوان كبير فوق إدارة مثقلة بسوء التواصل والاحتقان الداخلي.
فمغاربة العالم لا يحتاجون إلى مؤسسة جديدة بالاسم فقط، بل إلى تدبير جديد في الجوهر، قائم على الكفاءة والإنصاف والشفافية، وقادر على تحويل التوجيهات الكبرى إلى خدمات فعلية، وبرامج مستمرة، وثقة متبادلة بين الإدارة والجالية.
