بقلم: الباز عبدالإله
كشفت دراسة دولية جديدة عن تسجيل مؤشرات مرتفعة مرتبطة بالوحدة والقلق والأفكار والسلوكيات الانتحارية وسط عينة من التلاميذ المغاربة، استناداً إلى بيانات مدرسية جُمعت خلال سنوات 2006 و2010 و2016، ولا تعكس بالضرورة الوضع الراهن في سنة 2026.
ونُشرت الدراسة، يوم الجمعة 24 يوليوز 2026، في المجلة العلمية المحكمة «Frontiers in Psychiatry»، تحت عنوان «مقارنات بين البلدان بشأن الصحة النفسية والسلوكيات الانتحارية لدى المراهقين في الشرق الأوسط: تحليل ثانوي مقطعي لبيانات المسح العالمي لصحة التلاميذ».
وأنجز البحث كل من عتيقة خلف وبسمة اليزيدي وأنس الشراونة، واعتمد على تحليل ثانوي لبيانات المسح العالمي لصحة التلاميذ، وهو مشروع للمراقبة الصحية تقوده منظمة الصحة العالمية والمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها.
وشملت الدراسة 90 ألفاً و573 تلميذاً وتلميذة تتراوح أعمارهم بين 11 و18 سنة، ينتمون إلى 12 بلداً، بينما بلغ عدد المشاركين من المغرب 8518 تلميذاً، بمتوسط عمر قدره 14.1 سنة.
وتوزعت العينة المغربية على 2670 مشاركاً خلال مسح سنة 2006، و2924 خلال سنة 2010، و2924 مشاركاً خلال سنة 2016، فيما مثلت الإناث 47.5 في المائة من مجموع المشاركين المغاربة.
وأظهرت النتائج أن 50.2 في المائة من المراهقات المغربيات المشاركات صرحن بأنهن شعرن بالوحدة معظم الوقت أو دائماً خلال الاثني عشر شهراً السابقة للمسح، مقابل 33.5 في المائة لدى الذكور.
وبلغ عدد المراهقات اللواتي أبلغن عن هذا الشعور 2031 مشاركة، مقابل 1457 من الذكور.
وسجلت الدراسة ثاني أعلى نسبة للوحدة وسط الإناث في المغرب بعد تونس، التي بلغت فيها النسبة 51.9 في المائة.
واعتمد الباحثون في قياس الوحدة على سؤال يتعلق بالشعور بها معظم الوقت أو دائماً خلال السنة السابقة، دون اعتبار الإجابة تشخيصاً طبياً باضطراب نفسي.
كما أظهرت البيانات أن 43.8 في المائة من المراهقات المغربيات أبلغن عن شعور بالقلق بلغ درجة منعهن من النوم معظم الوقت أو دائماً، مقابل 30.2 في المائة لدى الذكور.
وبالأرقام، سُجل هذا المؤشر لدى 1775 مشاركة و1313 مشاركاً من الذكور، مع وجود فارق دال إحصائياً بين الجنسين داخل العينة المغربية.
وتناولت الدراسة أيضاً الأفكار والسلوكيات المرتبطة بالانتحار خلال الاثني عشر شهراً السابقة للمشاركة في المسح.
وبحسب الجدول الخاص بالمغرب، صرح 16.2 في المائة من المشاركين بأنهم فكروا بجدية في محاولة الانتحار، فيما أفاد 14.3 في المائة بأنهم وضعوا خطة مرتبطة بذلك.
وسجلت الدراسة 1351 حالة تصريح بالتفكير الجدي في محاولة الانتحار داخل العينة المغربية، و1178 حالة مرتبطة بوضع خطة.
أما بخصوص محاولات الانتحار المبلغ عنها، فأظهرت البيانات أن 10.5 في المائة من المشاركين المغاربة صرحوا بمحاولة واحدة خلال السنة السابقة، و2.7 في المائة بمحاولتين أو ثلاث، و1.3 في المائة بأربع أو خمس محاولات، بينما بلغت نسبة من أبلغوا عن ست محاولات أو أكثر 1.4 في المائة.
وأكد الباحثون أن هذه النتائج تستند إلى أجوبة ذاتية قدمها التلاميذ داخل استبيانات مجهولة الهوية، ولا تمثل تشخيصات سريرية صادرة عن أطباء أو اختصاصيين في الصحة النفسية.
واعتمد المسح أسلوباً يقوم على اختيار المدارس في مرحلة أولى، ثم اختيار أقسام دراسية بصورة عشوائية، قبل دعوة جميع التلاميذ الموجودين داخل الأقسام المحددة إلى المشاركة في الاستبيان خلال حصة دراسية واحدة.
وخلص التحليل الإقليمي إلى وجود ارتباط بين ضعف الدعم الأسري، وقلة الاندماج داخل المدرسة، وانخفاض عدد الصداقات، وبين ارتفاع احتمال الإبلاغ عن الأفكار والخطط والمحاولات الانتحارية.
كما سجلت الدراسة ارتباطاً بين مؤشري الوحدة والقلق وارتفاع احتمالات التصريح بمحاولات الانتحار، مع التأكيد على أن الطبيعة المقطعية للبحث لا تسمح بإثبات علاقة سببية مباشرة بين هذه العوامل.
ونبه الباحثون إلى مجموعة من القيود المنهجية، أبرزها اعتماد الدراسة على تصريحات المشاركين، واحتمال تأثر الأجوبة بالنسيان أو الخوف من الوصم الاجتماعي، إلى جانب اقتصار العينة على المراهقين المتمدرسين وعدم شمول المنقطعين عن الدراسة.
كما أشاروا إلى أن سنوات جمع البيانات تختلف بين البلدان، وأن التحولات الاجتماعية والاقتصادية وانتشار التكنولوجيا وشبكات التواصل خلال الفترة المدروسة قد تؤثر في إمكانية إجراء مقارنات مباشرة بين النتائج.
ولا تعكس الأرقام المغربية الوضع القائم خلال سنة 2026، لأن أحدث البيانات الوطنية التي اعتمدتها الدراسة تعود إلى سنة 2016، بينما يمثل تاريخ 24 يوليوز 2026 موعد نشر التحليل العلمي الجديد، وليس تاريخ إجراء مسح حديث داخل المدارس المغربية.
