كشفت مصادر إعلامية أن وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، اعتبر أن أزمة ارتفاع أسعار المواد الأساسية في المغرب لا يمكن اختزالها في تفسيرات مبسطة، ولا معالجتها بحلول ظرفية، مؤكداً أن مواجهة الغلاء تقتضي تشخيصاً دقيقاً لمختلف حلقات الإنتاج والتوزيع والتسويق.
هذا الكلام، في ظاهره، يبدو تقنياً. وزير يتحدث عن ضرورة التشخيص، وعن عدم تبسيط أزمة الأسعار، وعن الحاجة إلى مقاربة شاملة. لكن في عمقه السياسي، نحن أمام اعتراف ثقيل: الدولة لا تملك، أو لا تملك بما يكفي، الرؤية الكاملة لما يجري بين المنتج والمستهلك.
حين يقول وزير في الحكومة إن من الصعب تقييم الأسعار في غياب معطيات دقيقة حول كلفة الإنتاج والكميات المنتجة ومسارات التوزيع، فالمشكل لا يعود فقط إلى “الفراقشية” كما يسميهم الشارع، ولا إلى جشع معزول هنا أو هناك. المشكل يصبح سؤالاً مؤسساتياً: من يراقب السوق؟ من يعرف الكلفة الحقيقية؟ من يحدد هامش الربح المشروع؟ ومن يربح من الضبابية؟
مزور حاول، في تصريحه، أن يخفف الضغط عن الوسطاء، مؤكداً أن تحميلهم جميعاً مسؤولية الغلاء ليس منصفاً، وأن بعضهم يشتغل بهوامش ربح محدودة. هذا التفريق مهم، لأنه يمنع تحويل الأزمة إلى شماعة سهلة. لكن الأهم من ذلك هو ما جاء بين السطور: هناك فئة تستفيد من ضعف المنافسة وغياب الشفافية، وتستطيع أن تشتري بثمن منخفض وتبيع بأضعافه، دون أن يكون المواطن قادراً على معرفة أين تبدأ الكلفة وأين يبدأ الجشع.
هنا بالضبط تكمن خطورة النقاش. المواطن المغربي لا يحتج فقط لأن الأسعار ارتفعت، بل لأنه لم يعد يصدق الرواية الرسمية حول الأسعار. يسمع عن الإنتاج، والدعم، والمراقبة، والمنافسة، ثم يذهب إلى السوق فيجد أن ثمن اللحم والخضر والمواد الأساسية يتحرك بمنطق لا يفهمه ولا يثق فيه.
أزمة الغلاء تحولت، إذن، إلى أزمة ثقة. وهذا ما يجعل كلام الوزير أكبر من مجرد مداخلة في لقاء حزبي اقتصادي. فحين تصبح الثقة مفقودة بين المواطن والسوق، وبين المواطن والوسطاء، وبين المواطن والمؤسسات المكلفة بالمراقبة، فإن المشكل لم يعد اقتصادياً فقط، بل صار سياسياً واجتماعياً أيضاً.
اللافت أن الوزير ثمّن مقترح إحداث شركات جهوية للتوزيع، وربط ذلك بالحاجة إلى توفير معطيات واضحة حول تكاليف الأسمدة، واليد العاملة، والإنتاج، والتوزيع. هذا يعني أن الدولة بدأت تقترب من نقطة حساسة: السوق لا يمكن تركه بالكامل لمنطق العلاقات القديمة، والتوافقات غير المعلنة، وشبكات التوزيع التي راكمت نفوذاً طويلاً خارج أعين المواطن.
فطيلة سنوات، كان جزء من السوق يعيش على توازن هش، قائم على الأعراف، والوسطاء، وتفاوت المعلومات، وضعف المراقبة. لكن هذا التوازن لم يعد قادراً على الصمود. نمط استهلاك المغاربة تغير، حاجيات الأسر تغيرت، والقدرة الشرائية تعرضت لاستنزاف واضح. المواطن اليوم لا يريد تبريرات موسمية، بل يريد أن يعرف لماذا يدفع أكثر، ومن يربح أكثر، ولماذا تصل بعض المواد إلى المستهلك بأثمنة لا تشبه لا كلفة الإنتاج ولا منطق المنافسة.
الأخطر أن منظومة المراقبة، كما يظهر من النقاش، ما زالت مرتبطة في جزء كبير منها بالمواد المدعمة أو التقليدية، بينما انتقلت الأزمة إلى منتجات أصبحت مركزية في الحياة اليومية للأسر، وعلى رأسها اللحوم. وهذا يكشف فجوة واضحة بين طبيعة الاستهلاك الحالي وأدوات التدخل العمومي.
لا يمكن للدولة أن تتحدث عن السيادة الغذائية، وفي الوقت نفسه تترك المواطن أمام سوق لا يرى داخله. السيادة الغذائية ليست فقط إنتاجاً فلاحياً، ولا شعارات عن الأمن الغذائي، بل هي قدرة على معرفة الكميات، وضبط التخزين، ومراقبة المسالك، وتحديد الأولويات بين حاجيات الداخل وإغراءات التصدير.
حين ترتفع الأسعار، لا يكفي أن نقول إن السوق حر. السوق الحر يحتاج إلى منافسة حقيقية، ومعطيات واضحة، ومؤسسات قوية تمنع الاحتكار والتلاعب. أما السوق الغامض، فهو لا ينتج حرية اقتصادية، بل ينتج ريعاً مقنعاً، ويترك الأسر وحدها أمام فاتورة لا تفهم مصدرها.
تصريحات مزور تفتح، من حيث لا تريد ربما، سؤالاً أكبر من أسعار المواد الأساسية: هل الدولة مستعدة فعلاً لمواجهة اقتصاد الظل داخل مسالك التوزيع؟ وهل تستطيع أن تنتقل من مراقبة متأخرة للأسعار إلى معرفة مسبقة بالكلفة والإنتاج والمخزون؟ وهل تملك الشجاعة لفتح العلبة السوداء للوسطاء الكبار لا الصغار فقط؟
الغلاء ليس قدراً. والجفاف ليس جواباً كافياً. والسوق الدولية ليست دائماً المتهم الوحيد. في جزء من الأزمة، هناك خلل محلي واضح: ضعف الشفافية، هشاشة المعطيات، ارتباك المراقبة، وتراكم شبكات استفادت طويلاً من غياب الضوء.
لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا يبدأ من الدفاع عن الوسطاء ولا من شيطنتهم، بل من سؤال أبسط وأقسى: لماذا يحتاج المواطن المغربي، في كل موجة غلاء، إلى انتظار تصريح وزير كي يعرف أن الدولة نفسها لا تملك الصورة الكاملة عن السوق؟
حين تعترف الحكومة بضبابية السوق، فهي لا تشرح الغلاء فقط. إنها تكشف أن معركة الأسعار في المغرب لن تُحسم في الرفوف، بل في المعلومة، والمراقبة، والمنافسة، ومن يملك حق رؤية ما يجري بين الحقل والمائدة.
