لم يحتج مصطفى بايتاس إلى ذكر حزب الأصالة والمعاصرة أو أسماء الملتحقين الجدد بمكتبه السياسي حتى تصل رسالته كاملة.
فمن مدينة الداخلة، اختار عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار لغة شديدة السخرية لمهاجمة ما وصفه بتحويل العمل الحزبي إلى «زيارات مكوكية» ولقاءات انتخابية عابرة، هدفها صناعة كائن سياسي لا يُعرف «واش عندو راس واحد ولا جوج ولا ثلاثة».
وجاءت كلمة بايتاس خلال تجمع جماهيري نظمه حزب «الحمامة»، السبت 25 يوليوز 2026 بمدينة الداخلة، في توقيت سياسي بالغ الدلالة، تزامن مع إعلان حزب الأصالة والمعاصرة تعزيز مكتبه السياسي بفوزي لقجع والخطاط ينجا، رئيس مجلس جهة الداخلة–وادي الذهب.
ورغم أن بايتاس لم يسمِّ «البام» ولا لقجع أو الخطاط ينجا، فإن حديثه عن «الزيارة المكوكية» و«الطائرة العابرة» و«اللقاء العابر» بدا رسالة سياسية مباشرة إلى الحزب الذي أشعل سوق الاستقطابات، ونجح خلال الفترة الأخيرة في ضم أسماء انتخابية وازنة إلى قيادته، قبل أسابيع من الانتخابات التشريعية.
واستعاد بايتاس، في بداية كلمته، مسار حزب التجمع الوطني للأحرار منذ انتخابات 2016، عندما لم يكن يتوفر سوى على 37 نائباً بمجلس النواب، قائلاً إنه حاول احتساب عدد المرات التي انتقل فيها الحزب إلى الداخلة منذ ذلك التاريخ، فاكتشف أن قياداته زارت الجهة «عشرات المرات».
وأضاف أن زيارات «الأحرار» إلى الداخلة لم تكن، بحسب تعبيره، مرتبطة فقط بالانتخابات، بل شملت لقاءات تأطيرية وتكوينات لفائدة البرلمانيين في قضايا الترافع عن مغربية الصحراء، فضلاً عن مشاركة الحزب سكان الجهة الاحتفال بالاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
وقال بايتاس إن هذه الزيارات المتكررة ساهمت في بناء «علاقات قوية ووطيدة ومتماسكة» بين الحزب وقواعده بجهة الداخلة–وادي الذهب، مؤكداً أن «الأحرار» اختار منذ سنة 2016 طريقاً طويلاً، لكنه، وفق وصفه، «طريق الحق والمعقول».
واستند القيادي التجمعي إلى الأدوار الدستورية للأحزاب السياسية، معتبراً أنها لا تقتصر على خوض الانتخابات وتوزيع التزكيات، بل تقوم أساساً على تأطير المواطنين وبناء الثقة معهم على مدى سنوات.
وقال في هذا السياق: «الدستور فاش كيهضر على أدوار الأحزاب السياسية كيحصرها في تأطير المواطنين، وهذا هو اللي دار التجمع الوطني للأحرار»، مضيفاً أن الدستور لم يقل في أي وقت إن مهمة الأحزاب تنحصر في الوصول إلى لحظة الاقتراع.
وبالنسبة إلى بايتاس، فإن الانتخابات ليست سوى محطة يجري خلالها التعاقد بين الأحزاب والمواطنين، غير أن الوصول إليها يتطلب عملاً سياسياً طويلاً يسمح للناخبين باختبار مواقف الحزب وقراراته ومدى حضوره إلى جانبهم في مختلف الملفات والقضايا.
وأوضح أن «الأحرار» اشتغل منذ سنة 2016 من خلال سلسلة من البرامج والمحطات التنظيمية، من بينها «مسار المدن» و«مسار التنمية» والمؤتمرات الإقليمية والجهوية، مشدداً على أن هذه الدينامية مكّنت المواطنين والمناضلين من معرفة ما وصفه بـ«معدن التجمع الوطني للأحرار».
واستعرض بايتاس عدداً من الأسماء التي قال إنها تكونت وتمرسّت داخل أجهزة الحزب، وفي مقدمتها الراغب حرمة الله، رئيس مجلس جماعة الداخلة، ومحمد سالم حمية، رئيس المجلس الإقليمي لوادي الذهب، إلى جانب فاطمة بوزيد وماء العينين وعاتقة، مؤكداً أن هؤلاء مارسوا العمل داخل الشبيبة والفيدرالية الوطنية قبل توليهم مسؤولياتهم الانتدابية الحالية.
لكن النبرة الهادئة لم تستمر طويلاً، إذ انتقل بايتاس إلى توجيه هجوم شديد على الأحزاب التي تختزل العمل السياسي، وفق ما يوحي به خطابه، في جولات سريعة بين الجهات قبيل الانتخابات.
وتساءل بنبرة غاضبة: «واش الدور ديال الأحزاب السياسية هو نديرو زيارة مكوكية لهذه الجهة وهذه الجهة باش نتكلمو على الانتخابات؟ واش حتى لهذا المستوى ولات السياسة مبتذلة؟».
وأضاف أن السياسة لم تكن في يوم من الأيام عملاً مبتذلاً أو مجرد حركة موسمية، بل هي، وفق تعبيره، «نضال» وتضحية بالوقت وحضور في اللقاءات التأطيرية، فضلاً عن معرفة مبادئ الحزب وأفكاره والدفاع عنها ومناقشتها والاختلاف بشأنها.
وبأقوى عبارات كلمته، رفض بايتاس اختزال العمل السياسي في مشهد انتخابي خاطف، قائلاً: «ماشي نلخصو هاد الشي كامل فلحظة عابرة، فطيارة عابرة، فلقاء عابر، من أجل صناعة شي عجب، ربما ما عرفناش كيفاش غادي يخرج، واش عندو راس واحد ولا جوج ولا ثلاثة».
وتحولت عبارة «شي عجب… واش عندو راس واحد ولا جوج ولا ثلاثة» إلى قذيفة سياسية محملة بأكثر من دلالة، خصوصاً أنها صدرت بعد ساعات من إعلان انضمام فوزي لقجع والخطاط ينجا إلى المكتب السياسي لـ«البام»، في خطوة رفعت منسوب التوتر داخل الأغلبية الحكومية وفتحت مواجهة علنية بين مكوناتها حول استقطاب الأسماء وصناعة الخرائط الانتخابية.
فالخطاط ينجا ليس مجرد اسم حزبي جديد، بل يرأس مجلس جهة الداخلة–وادي الذهب، ويمثل ثقلاً انتخابياً واضحاً في الأقاليم الجنوبية، بينما يشغل لقجع منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية داخل حكومة يقودها رئيس التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش.
لهذا بدت كلمة بايتاس أبعد من دفاع تقليدي عن حصيلة حزبه في الداخلة، فقد جاءت بمثابة هجوم على الطريقة التي يعيد بها «البام» ترتيب ترسانته الانتخابية، ومحاولة لتقديم «الأحرار» باعتباره حزب البناء التنظيمي الطويل في مواجهة حزب يعتمد، بحسب ما يوحي به الخطاب، على استقطاب الأسماء الجاهزة والوجوه صاحبة النفوذ قبل موعد الاقتراع.
وختم بايتاس كلمته بالتأكيد أن الحزب الذي اختار بناء أسسه على «نضال حقيقي وتعاقد حقيقي» سيستمر في المسار نفسه، في رسالة مفادها أن «الحمامة» لن تدخل سباق الاستقطابات بالشروط التي يحاول منافسوها فرضها.
لكن حدة العبارات تكشف أن ما يجري داخل الأغلبية لم يعد اختلافاً عابراً بين حلفاء حكوميين فحين يتحدث عضو بالمكتب السياسي لـ«الأحرار»، يشغل أيضاً مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة، عن «سياسة مبتذلة» و«طائرة عابرة» و«صناعة شي عجب برأس أو رأسين أو ثلاثة»، فإن الرسالة تتجاوز منصة حزبية في الداخلة، لتعلن أن معركة الانتخابات انطلقت فعلياً، وأن أحزاب الأغلبية بدأت تتبادل الضربات من دون انتظار نهاية الولاية الحكومية.
