بقلم: الباز عبدالإله
لم تمرّ التحركات الانتخابية الأخيرة لحزب الأصالة والمعاصرة من دون ردّ من حليفه داخل الأغلبية الحكومية، فقد اختار راشيد الطالبي العلمي، عضو المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار، منصة حزبية بمدينة الداخلة لإطلاق واحدة من أوضح رسائل المواجهة، مؤكداً أن حزبه لم يرتبك أمام انتقالات الأسماء والاستقطابات التي سبقت الانتخابات، وأن مغادرة أي مسؤول لن توقف مساره.
الطالبي العلمي استهل كلمته، اليوم السبت 25 يوليوز 2026، باستعارة من دروس تعلم السياقة، قبل أن يتوجه إلى رئيس الحزب محمد شوكي قائلاً: «حنا ما خايفين، ما مخلوعين وما مندهشين»، في رسالة يصعب فصلها عن الأجواء السياسية التي أعقبت إعلان التحاق فوزي لقجع والخطاط ينجا بالمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة.
لم يتوقف القيادي التجمعي عند نفي الخوف أو الارتباك، بل انتقل إلى التأكيد أن «الأحرار» يتوفر على احتياطي من الأطر والمنتخبين القادرين على تعويض أي اسم يغادر التنظيم، قائلاً: «ما عندناش مشكل، الخلف موجود».
وبهذا الخطاب، حاول الطالبي العلمي نقل النقاش من ثقل الأسماء التي تنضم إلى الأحزاب المنافسة، إلى قدرة التنظيم على إنتاج البدائل من داخله، مؤكداً أن من لا يقبل بالمشروع السياسي للتجمع الوطني للأحرار «ما عندوش بلاصتو معانا».
واعتبر المتحدث أن السياسة والديمقراطية لا يمكن أن تُدارا بالعشوائية، بل تخضعان لقواعد وضوابط، محذراً من أن غيابها يحول الممارسة إلى «قانون الغاب».
واستعان مرة أخرى بمثال السياقة، ثم بالصيد البحري، ليقول إن كل مجال تحكمه قوانين واضحة، وإن العمل الحزبي ليس استثناءً.
لكن أقوى رسائل الطالبي العلمي جاءت عندما انتقل من الدفاع عن حزبه إلى الهجوم المبطن على خصومه، متهماً بعض الفاعلين السياسيين بالاعتماد على «الشو والبوز» والصور الجماعية والاستقطابات، بدل تقديم رؤية استراتيجية ومشاريع تجيب عن حاجيات المواطنين.
وقال إن الإعلان عن اتفاقيات وأرقام مالية ضخمة لا يعني تحقيق التنمية، ما لم تتحول تلك الأموال إلى مشاريع ملموسة تعالج المشكلات اليومية للساكنة، مضيفاً أن السياسة الحقيقية تبدأ بالإنصات وتحديد الخصاص، ثم توفير التمويل وضمان التنفيذ وتحقيق النتائج.
وخصّ الطالبي العلمي الراغب حرمة الله، رئيس مجلس جماعة الداخلة، بإشادة واسعة، معتبراً أن حصيلته في تدبير المدينة تمثل نموذجاً للطريقة التي يفكر بها «الأحرار» على المستوى الترابي، من خلال الربط بين البرنامج والتمويل والتنفيذ.
وقال إن حرمة الله دخل المسؤولية شاباً قليل التجربة في نظر البعض، لكنه استطاع، بحسب المتحدث، إثبات كفاءته بإنجازات ملموسة، قبل أن يطلق عبارته الأكثر حدة، مؤكداً أن ما أنجزه رئيس جماعة الداخلة «أحسن بألف درجة» من الاستقطابات السياسية التي شهدتها الجهة.
ولم يسمّ الطالبي العلمي الحزب أو المسؤولين الذين يقصدهم، غير أن توقيت كلمته ومكانها جعلا الرسالة واضحة سياسياً، خصوصاً أنها جاءت عقب التحركات التي أعلنها «البام» واستقباله أسماء جديدة داخل مكتبه السياسي.
وذهب القيادي التجمعي أبعد من ذلك، عندما تحدث عن مؤسسات تتوفر على إمكانات مالية كبيرة، بينما تظل حصيلتها موضع تساؤل بشأن أوجه صرف الأموال والنتائج المحققة.
وقابل ذلك بما قال إنها مشاريع أصبحت واضحة للعيان داخل مدينة الداخلة.
هذا التلميح فتح سؤالاً لم يجب عنه الطالبي العلمي مباشرة: ما المؤسسات التي يقصدها؟ ومن يتحمل مسؤولية الأموال التي تحدث عنها؟ وهل يتعلق الأمر بمنافسة انتخابية عابرة أم بانتقاد رسمي لحصيلة مؤسسة منتخبة داخل جهة الداخلة–وادي الذهب؟
الطالبي العلمي دافع في المقابل عن استراتيجية حزبه في إعداد المرشحين من داخله، مقدماً ترشيح كريم زيدان، الوزير المنتدب المكلف بالاستثمار، بدائرة اليوسفية، باعتباره نموذجاً لهذا الاختيار.
وقال إن «الأحرار» كان بإمكانه استقطاب اسم من حزب آخر والدفع به في اليوسفية، لكنه فضّل الاعتماد على أحد أطره ووزرائه، بعدما وقف، حسب تعبيره، على ضعف تمثيل المنطقة خلال المرحلة الماضية وحاجتها إلى دينامية جديدة قادرة على جلب الاستثمارات والدفاع عن مشاريع الساكنة.
وبينما تشتعل حرب استقطاب الكفاءات والأعيان بين أحزاب الأغلبية قبل الانتخابات، حرص الطالبي العلمي على تقديم حزبه باعتباره مؤسسة لا تتوقف على الأشخاص، مشيراً إلى أنه راكم خمس سنوات من التأطير والتكوين وإعداد النخب، ويعقد مؤتمراته واجتماعات مجلسه الوطني ولقاءاته مع المواطنين وفق ضوابط تنظيمية.
كما أشاد بقدرة عزيز أخنوش على الحفاظ على تماسك الأغلبية الحكومية، معتبراً أن الصراعات داخل تجارب سابقة أضاعت وقتاً كان يفترض تخصيصه لتنفيذ الإصلاحات، قبل أن يقدم انتقال قيادة الحزب إلى محمد شوكي دليلاً على استمرارية المؤسسة وقدرتها على تمرير المشعل.
وخلف خطاب الوحدة والاستمرارية، بدت كلمة الطالبي العلمي إعلاناً عن دخول «الأحرار» مرحلة دفاع سياسي مفتوح عن صفوفه ومواقعه الانتخابية.
فالرسالة التي خرجت من الداخلة لم تكن موجهة إلى مناضلي الحزب وحدهم، بل أيضاً إلى حلفائه ومنافسيه: الاستقطابات لن تُخيف «الأحرار»، والأسماء المغادرة سيعوضها «الخلف»، أما المعركة المقبلة فستُحسم، وفق روايته، بالإنجازات لا بـ«الشو والبوز».
