بقلم: الباز عبدالإله
وجّهت المحكمة الدستورية ضربة قانونية بارزة إلى القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، بعدما صرّحت بعدم دستورية عدد من مقتضياته، في قرار يعيد النص إلى دائرة المراجعة التشريعية، ويفتح نقاشاً جديداً حول جودة الصياغة القانونية وضمانات الأمن التعاقدي وحسن سير المرفق التوثيقي.
القرار، الصادر اليوم الاثنين 15 يونيو 2026 تحت رقم 263/26، جاء بعد إحالة تقدم بها 93 عضواً بمجلس النواب، طعنوا من خلالها في دستورية عدد من مواد القانون.
غير أن المحكمة لم تكتف بفحص المواد المثارة في الإحالة، بل وسّعت رقابتها لتثير تلقائياً مقتضيات أخرى رأت أنها تمس أحكاماً دستورية مرتبطة باستمرارية المرفق العام، والأمن القانوني للمرتفقين، ووضوح القاعدة القانونية.
وقضت المحكمة بعدم دستورية المادة الثامنة المتعلقة بحالات التنافي، بعدما اعتبرت أن المشرع، رغم سعيه إلى حماية استقلالية مهنة العدول ودرء تضارب المصالح، أغفل وضع مسطرة واضحة لمعالجة وضعية العدل الموجود في حالة تناف، سواء من حيث الآجال أو الجهة المختصة أو طريقة التصريح والبت. واعتبرت المحكمة أن هذا السكوت التشريعي يفتح الباب أمام فراغ قانوني وتأويلات متضاربة، بما يمس قابلية النص للتطبيق المتوازن والمنصف.
كما أسقطت المحكمة الفقرتين الأولى والثانية من المادة 53، المرتبطتين بتلقي العقود الخاصة بالأشخاص في وضعية إعاقة سمعية أو كلامية.
واعتبرت أن الاكتفاء بعبارات عامة من قبيل “الإشارة المفهومة”، دون إحاطة ذلك بضمانات قانونية دقيقة، لا يوفر الحماية المطلوبة لهذه الفئة، ولا ينسجم مع مبدأ المساواة الفعلية وواجب تمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من ممارسة حقوقهم على قدم المساواة مع باقي المتعاقدين.
ومن بين أكثر النقاط حساسية في القرار، إبطال البند الأول من المادة 67 المتعلق بشهادة اللفيف، والذي يشترط ألا يقل عدد الشهود عن اثني عشر “ذكوراً وإناثاً”.
المحكمة لم تعتبر الإشكال في العدد وحده، بل في غموض العبارة وفتحها المجال أمام تأويلات مختلفة بشأن نصاب كل جنس، بما قد يؤدي إلى اجتهادات متضاربة وعدم استقرار المراكز القانونية للمرتفقين.
ولم تقف المحكمة عند المواد المثارة في الإحالة البرلمانية، بل انتقلت إلى المواد من 140 إلى 194، المنظمة للهيئة الوطنية للعدول والمجالس الجهوية.
وهنا اعتبرت أن النص أحدث بنية تنظيمية مهنية، ومنحها اختصاصات ذات صلة مباشرة بالمرفق العام التوثيقي، لكنه لم يضع آليات قانونية واضحة لتدارك حالات التعطيل أو العجز أو عدم انتظام الاجتماعات، وهو ما رأت فيه إخلالاً بمبدأ استمرارية المرفق العام والحكامة الجيدة.
في المقابل، أقرت المحكمة دستورية مواد أخرى، من بينها المواد 37 و50 و51، والفقرة الثانية من المادة 55، والفقرة الأولى من المادة 63، والفقرتان الثانية والثالثة من المادة 77، معتبرة أن ما أثير بشأنها لا يرقى إلى مخالفة الدستور.
أما المادة 120، المتعلقة باللجنة التأديبية، فقد اعتبرتها المحكمة غير مخالفة للدستور، لكن بشرط تأويلي واضح، يتمثل في أن وزير العدل لا يملك صلاحية إعادة النظر في مقررات اللجنة التأديبية أو تعديلها، وإنما يقتصر دوره على ممارسة الاختصاصات التنفيذية والإدارية اللازمة لتنفيذ المقرر وترتيب آثاره القانونية.
ويكشف هذا القرار أن الإشكال لم يكن فقط في مضمون بعض الاختيارات التشريعية، بل في طريقة صياغتها وحدود الضمانات المحيطة بها.
فالمحكمة نبهت، بصيغة دستورية صارمة، إلى أن القانون حين ينظم مرفقاً توثيقياً يمس العقود والملكية والأسرة والحقوق المدنية، لا يكفي أن يعلن المبادئ العامة، بل يجب أن يضبط المساطر والآجال والاختصاصات والضمانات بشكل يمنع الفراغ والتأويل المتضارب.
وبذلك، يجد قانون تنظيم مهنة العدول نفسه أمام مراجعة إلزامية، لا تمس تفاصيل تقنية فحسب، بل تعيد فتح النقاش حول فلسفة النص برمته: كيف يمكن تحديث مهنة العدول دون إضعاف الأمن القانوني؟ وكيف يمكن حماية خصوصية الوثيقة العدلية دون تحويلها إلى عبء إجرائي على المرتفقين؟ وكيف يمكن منح الهيئات المهنية صلاحيات واسعة دون ترك المرفق التوثيقي رهين احتمال التعطيل أو الفراغ؟
قرار المحكمة الدستورية لم ينسف القانون كاملاً، لكنه وجّه رسالة واضحة إلى المشرع والحكومة: تنظيم مهنة العدول لا يمكن أن يمر بصياغات ملتبسة أو بضمانات ناقصة، لأن الأمر يتعلق بمرفق يلامس يومياً حقوق المواطنين، من الزواج والملكية إلى العقود والشهادات. وكل خلل في هذا الباب قد يتحول من ثغرة قانونية إلى أزمة ثقة في الوثيقة الرسمية نفسها.
