بقلم: الباز عبدالإله
أعاد النقاش البرلماني حول أسعار السمك ملف تسويق المنتجات البحرية إلى واجهة المساءلة، بعدما أثار نواب من الأغلبية اختلالات مسالك التوزيع وتعدد الوسطاء، وما يترتب عن ذلك من تفاوت كبير بين أسعار البيع الأولي والأسعار النهائية التي تصل إلى المستهلك.
ويأتي هذا النقاش في سياق مفارقة لافتة بين الإمكانيات البحرية التي يتوفر عليها المغرب، وحجم الاستثمارات المعلنة في البنيات التحتية والأسواق والرقمنة والتبريد، وبين استمرار ارتفاع أسعار عدد من المنتجات البحرية، وفي مقدمتها السردين، خاصة في المدن الداخلية والمناطق البعيدة عن السواحل.
وقد شكل المثال المتعلق بانتقال ثمن السردين من ثلاثة أو أربعة دراهم في سوق الجملة بأكادير إلى أكثر من أربعين درهماً في بعض مدن الداخل مدخلاً لإثارة سؤال الحكامة داخل القطاع، ومدى نجاعة الإجراءات المعتمدة في ضبط مسالك التسويق، وتقليص حلقات الوساطة، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، مع ضمان استفادة البحارة من القيمة الحقيقية للمنتوج.
النائبة البرلمانية إلهام الساقي، عن فريق الأصالة والمعاصرة، نبهت خلال جلسة الأسئلة الشفهية إلى استمرار التفاوت بين أسعار البيع الأولي وأسعار البيع النهائي، معتبرة أن تعدد الوسطاء يؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.
وأشارت الساقي إلى أن عدداً من الأسواق ونقط التسويق ما زالت في حاجة إلى التأهيل والتجهيز، إلى جانب تعزيز منظومة التبريد والحفظ والنقل، داعية إلى تشديد المراقبة بما يتيح وصول المنتجات البحرية إلى مختلف المواطنين، بمن فيهم سكان العالم القروي، بأثمنة مناسبة.
من جهته، اعتبر النائب البرلماني عصام عيساوي، عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، أن قطاع الصيد البحري لا يزال يواجه اختلالات في مسالك التوزيع والتسويق، تنعكس سلباً على المستهلك وعلى البحارة في الوقت نفسه.
واستحضر عيساوي الفارق المسجل في سعر السردين بين سوق الجملة بأكادير وبعض مدن الداخل، معتبراً أن كثرة الوسطاء والمضاربة وارتفاع تكاليف التوزيع تساهم في توسيع الهوة بين ثمن البيع الأولي والثمن النهائي.
كما استعمل النائب الاستقلالي وصف “فراقشية السمك” للإشارة إلى المضاربين والوسطاء الذين يستفيدون، بحسب تعبيره، من هذه الوضعية، في مقابل استمرار تأثر القدرة الشرائية للمواطنين وبقاء البحار ضمن الحلقات الهشة في سلسلة التسويق.
هذه المعطيات لا تضع الوسطاء وحدهم في دائرة النقاش، بل تطرح أيضاً سؤال أثر السياسات العمومية المعتمدة في القطاع. فالمغرب يتوفر على واجهة بحرية مهمة، وعلى ثروة سمكية معتبرة، كما شهد القطاع خلال السنوات الأخيرة استثمارات موجهة إلى تحديث البنيات والأسواق وآليات التسويق.
غير أن استمرار الفوارق الكبيرة في الأسعار يفرض تقييم مدى انعكاس هذه الاستثمارات على السوق وعلى المستهلك.
وفي جوابها، قدمت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، حصيلة رقمية حول مجهودات الوزارة لإعادة هيكلة تسويق المنتجات البحرية، مشيرة إلى أن هذا الورش يندرج ضمن خارطة الطريق 2025-2027 الرامية إلى تعزيز حكامة مسالك التسويق.
وأوضحت الدريوش أن المغرب يتوفر حالياً على شبكة تضم 76 سوقاً للبيع الأول للسمك، منها 15 سوقاً من الجيل الجديد باستثمار بلغ 635 مليون درهم، إضافة إلى 45 سوقاً تغطي قرى الصيادين ونقط التفريغ المجهزة، و10 أسواق للبيع الثاني بالجملة خارج الموانئ باستثمار بلغ 655 مليون درهم.
كما أشارت المسؤولة الحكومية إلى وجود أسواق إضافية قيد الإنجاز بالناظور وفاس بكلفة 65 مليون درهم، مع التوجه نحو إحداث أسواق قرب عصرية للبيع بالتقسيط في أفق سنة 2027.
وفي ما يتعلق بالرقمنة، أكدت الدريوش أن 70 سوقاً للسمك بالجملة، إلى جانب مركز فرز السمك الصناعي، تعتمد اليوم على رقمنة المزاد العلني، باستثمار بلغ 34 مليون درهم.
كما تحدثت عن اعتماد آليات إلكترونية متقدمة لوزن الكميات المفرغة من طرف أسطول الصيد الساحلي بالداخلة، بكلفة بلغت 45 مليون درهم.
وتطرقت كاتبة الدولة أيضاً إلى تعميم استعمال الصناديق المعيارية ووحدات إنتاج الثلج، باستثمار بلغ 365 مليون درهم، منها 234 مليون درهم خُصصت لتزويد السوق الوطنية بستة ملايين صندوق موحد لتعويض الصناديق الخشبية، إلى جانب تجهيز قوارب الصيد التقليدي بصناديق عازلة للحرارة بكلفة 93 مليون درهم.
غير أن الحصيلة الرقمية، رغم أهميتها، تعيد طرح سؤال النجاعة. فإذا كانت الأسواق قد تطورت، والمزادات أصبحت مرقمنة، وشروط الحفظ والتبريد عرفت تحسناً، فإن استمرار ارتفاع الأسعار النهائية يفرض البحث في الحلقات التي ما زالت تنتج الفارق بين ثمن الانطلاق وثمن الوصول إلى المستهلك.
فالإشكال لا يرتبط فقط بتوفير البنيات، بل بقدرة هذه البنيات على ضبط مسار المنتوج، من الميناء إلى السوق، ثم إلى المستهلك النهائي.
كما أن الرقمنة لا تحقق أثرها الكامل إلا إذا تحولت إلى أداة فعلية لتتبع الأسعار، وكشف هوامش الربح، وتحديد مكامن الاختلال داخل سلسلة القيمة.
وتحمل القضية بعداً مجالياً واضحاً، إذ يجد سكان المدن الداخلية والمناطق القروية أنفسهم أكثر تأثراً بتكاليف النقل وضعف نقاط التسويق المؤهلة وتعدد حلقات الوساطة.
ولذلك فإن ضمان الولوج إلى المنتجات البحرية بأثمنة مناسبة لا يندرج فقط ضمن حماية القدرة الشرائية، بل يرتبط أيضاً بمبدأ العدالة المجالية في الاستفادة من الثروة الوطنية.
ويفتح هذا النقاش، كما طرح داخل البرلمان، سؤالاً أوسع حول قدرة الاستثمار العمومي على إحداث أثر مباشر وملموس في حياة المواطنين.
فنجاح برامج تحديث قطاع الصيد البحري لا يقاس فقط بعدد الأسواق المحدثة أو حجم الاعتمادات المرصودة، بل بمدى انعكاسها على استقرار الأسعار، وتحسين شروط التسويق، وإنصاف البحارة، وحماية المستهلك.
لذلك، تبدو المرحلة المقبلة في حاجة إلى انتقال واضح من منطق تجهيز البنيات إلى منطق ضبط المسار الكامل للمنتوج، عبر تتبع الأسعار في كل حلقة، وتعزيز المراقبة على الوسطاء، وتقليص المضاربة، وربط الرقمنة بالمحاسبة الميدانية.
فحين يثير السردين، باعتباره منتوجاً شعبياً واسع الاستهلاك، نقاشاً تحت قبة البرلمان، فإن الأمر لا يتعلق بسعر مادة غذائية فقط، بل بسؤال حكامة قطاع كامل، وبمدى قدرة السياسات العمومية على تحويل الثروة البحرية إلى منفعة عادلة وملموسة للمواطن والبحار معاً.
