بقلم: الباز عبدالإله
عاد ملف المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى واجهة النقاش العمومي، بعد إقرار وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، يونس السكوري، اليوم الإثنين، بوجود إشكاليات تحد من استفادة هذه الفئة من المقاولات من الحصة المخصصة لها في الصفقات العمومية، والمحددة في 30 في المائة بموجب مرسوم الصفقات العمومية.
هذا الاعتراف الحكومي لا يقف عند حدود نقاش تقني حول تنزيل “كوطا” قانونية، بل يفتح سؤالاً أوسع حول فعالية السياسات العمومية الموجهة إلى المقاولات الصغرى والمتوسطة، ومدى قدرة برامج الدعم، الوطنية والدولية، على الوصول إلى المستفيدين المفترضين منها.
فإذا كانت المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي توصف رسمياً بأنها ركيزة أساسية في النسيج الاقتصادي الوطني، تواجه صعوبات في الولوج إلى الطلب العمومي رغم وجود حصة مخصصة لها قانونياً، فإن ذلك يطرح بالضرورة سؤالاً موازياً حول أثر التمويلات الأوروبية الموجهة، منذ سنوات، إلى دعم المقاولة، والإدماج المالي، وتحسين مناخ الأعمال، وتشجيع الاستثمار المستدام، وتعزيز التشغيل.
السؤال هنا لا يتعلق بإطلاق أحكام مسبقة حول مصير هذه التمويلات، بقدر ما يتعلق بتتبع مسارها وقياس أثرها.
فجزء مهم من التمويلات الأوروبية الموجهة للمغرب لا يصل بشكل مباشر إلى حسابات المقاولات الصغرى والمتوسطة، بل يمر عبر قنوات مؤسساتية متعددة، من بينها الدعم الميزانياتي، والبنوك، ومؤسسات التمويل، وبرامج المواكبة التقنية، وصناديق الاستثمار، وخطوط الائتمان، ومكاتب الخبرة والاستشارة.
وبين التمويل المعلن والنتيجة الملموسة على الأرض، تبرز الحاجة إلى تقييم أوضح لحجم استفادة المقاولات الصغرى والمتوسطة من هذه البرامج، ليس فقط من حيث المبالغ المرصودة، بل من حيث عدد المقاولات المستفيدة، وطبيعة الدعم الذي حصلت عليه، ومدى مساهمته في تحسين ولوجها إلى التمويل والصفقات وخلق فرص الشغل.
وفق معطيات منشورة من طرف مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بلغ الغلاف الثنائي المخصص للمغرب خلال الفترة 2021-2024 ما مجموعه 931 مليون أورو، في شكل منح، أغلبها عبر الدعم الميزانياتي.
ورغم أن هذا الغلاف لا يهم المقاولات وحدها، فإنه يدخل ضمن شراكة أوسع تتعلق بدعم الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز القطاع الخاص، والإدماج المالي، وتحسين مناخ الاستثمار.
وفي سنة 2025، اعتمدت المفوضية الأوروبية تمويلاً جديداً لفائدة المغرب بقيمة قصوى تبلغ 165.5 مليون أورو، موزعاً على عدة برامج، من بينها برنامج يهم مناخ الأعمال والاستثمار المستدام، وبرنامج آخر يتعلق بالكفاءات من أجل الشغل والمقاولة.
وهنا يصبح الربط بين هذه التمويلات وسؤال المقاولة أكثر وضوحاً، خاصة أن الوثائق الأوروبية نفسها تقدم هذه البرامج باعتبارها آليات لدعم التشغيل والمبادرة المقاولاتية وتحسين الولوج إلى السوق.
ويبلغ برنامج “مناخ الأعمال والاستثمارات المستدامة في المغرب” 77 مليون أورو، منها 40 مليون أورو في شكل دعم ميزانياتي، و37 مليون أورو كدعم تكميلي.
وتضع الوثيقة الأوروبية ضمن أهداف هذا البرنامج تحسين الإطار التنظيمي والحكامة العمومية، وتبسيط ورقمنة المساطر، وتعزيز المنافسة القائمة على قواعد منصفة، بما في ذلك ما يرتبط بتدبير الصفقات العمومية.
هنا تبرز المفارقة الأساسية، ففي الوقت الذي تضع فيه البرامج الأوروبية تحسين تدبير الصفقات العمومية ضمن محاورها، يقر الوزير المكلف بالمقاولة الصغرى بأن المقاولات الصغرى والمتوسطة لا تستفيد كما ينبغي من الحصة المخصصة لها من الطلب العمومي.
وهذا يعني أن الإشكال لا يرتبط فقط بوجود النصوص أو الموارد، بل بمدى قدرة هذه الآليات على إحداث أثر فعلي داخل السوق.
الأمر نفسه ينطبق على برنامج “الكفاءات من أجل الشغل والمقاولة في المغرب”، الذي تبلغ قيمته 78.5 مليون أورو، منها 39 مليون أورو دعماً ميزانياتياً و39.5 مليون أورو دعماً تكميلياً. ويستهدف هذا البرنامج، حسب وثائقه، دعم المقاولة باعتبارها رافعة للتشغيل، من خلال مواكبة المقاولين الذاتيين، والمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، والتعاونيات، مع تركيز خاص على الشباب والنساء والمناطق القروية.
غير أن أهمية هذه البرامج لا تلغي الحاجة إلى سؤال الأثر. فالمقاولات الصغرى والمتوسطة، رغم حضورها الكبير داخل النسيج الاقتصادي، ما زالت تواجه عوائق متكررة في التمويل، والصفقات، والضمانات، وآجال الأداء، والقدرة على المنافسة أمام مقاولات أكبر وأكثر تنظيماً.
ولذلك، فإن تقييم نجاح هذه البرامج لا ينبغي أن يتوقف عند حجم التمويلات المعلنة، بل عند مدى تغير وضع المقاولة الصغيرة داخل الواقع الاقتصادي.
ولا تقف التمويلات الأوروبية والمؤسسات المالية المرتبطة بها عند الدعم الميزانياتي فقط.
فهناك أيضاً تمويلات تمر عبر مؤسسات مالية دولية وبنوك محلية. من ذلك إعلان البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية عن خطوط ائتمان بقيمة 100 مليون أورو موجهة عبر مؤسسات مالية شريكة لإعادة إقراضها للمقاولات الصغرى والمتوسطة، خصوصاً تلك التي يقودها أو يملكها شباب.
كما جرى الإعلان عن تمويلات أخرى تمر عبر مؤسسات مالية مغربية، من بينها تمويلات موجهة للمقاولات المتضررة من زلزال الحوز، وأخرى لمواكبة المقاولات في المشاركة في طلبات العروض العمومية والخاصة.
هذا المعطى يطرح سؤالاً دقيقاً حول فعالية الوساطة المالية والمؤسساتية. فحين توجد برامج تمويل ومواكبة موجهة لمساعدة المقاولات على الولوج إلى الصفقات، ثم يستمر الاعتراف الرسمي بصعوبة استفادتها من حصة 30 في المائة، يصبح من الضروري تقييم الحلقة التي تفصل بين التمويل والنتيجة.
المشكل، إذن، لا يكمن في غياب التمويل أو في غياب البرامج، بل في قياس النجاعة.
كم مقاولة استفادت فعلاً؟ ما حجم التمويلات التي وصلت إلى المقاولات الصغرى والمتوسطة بشكل مباشر أو غير مباشر؟ كم مقاولة استطاعت بفضل هذه الآليات الولوج إلى صفقة عمومية؟ وما حجم فرص الشغل التي خُلقت أو حوفظ عليها نتيجة هذه البرامج؟
حين تمر التمويلات عبر الدعم الميزانياتي، تصبح مسؤولية الحكومة مرتبطة بتحويل الالتزامات إلى نتائج قابلة للقياس. وحين تمر عبر البنوك، يبرز سؤال شروط القرض، وكلفة التمويل، والضمانات المطلوبة، ومدى ملاءمة هذه الشروط لوضعية المقاولات الصغيرة.
وحين تمر عبر برامج المواكبة والاستشارات، يصبح من حق الرأي العام أن يعرف هل تحولت هذه المواكبة إلى أثر اقتصادي ملموس، أم بقيت في حدود التكوين والتقارير والدراسات.
من هنا، فإن اعتراف السكوري بتعثر استفادة المقاولات الصغرى والمتوسطة من الصفقات العمومية لا ينبغي أن يقرأ كتصريح قطاعي معزول، بل كمؤشر على حاجة أوسع إلى تقييم منظومة الدعم الموجهة لهذه الفئة من المقاولات.
فإذا كانت المقاولة الصغيرة لا تصل إلى حصتها داخل الصفقات العمومية، رغم وجود مقتضى قانوني يمنحها ذلك، فكيف يمكن ضمان وصولها إلى نصيبها من برامج تحمل اسمها في الوثائق الوطنية والدولية؟
هذا لا يعني التشكيك في أهمية التمويلات الأوروبية أو في جدوى الشراكات الدولية، بل يعني أن المرحلة تفرض الانتقال من منطق الإعلان عن البرامج إلى منطق قياس الأثر.
فكل تمويل موجه باسم المقاولات الصغرى والمتوسطة يحتاج إلى معطيات واضحة حول المستفيدين، وطبيعة الدعم، والنتائج، والقطاعات، والجهات، وعدد مناصب الشغل المحدثة أو المدعومة.
كما أن المقاولات الصغرى والمتوسطة لا تحتاج فقط إلى برامج تحمل اسمها، بل إلى بيئة عملية تسمح لها بالاستفادة الفعلية من هذه البرامج.
ويشمل ذلك تبسيط المساطر، وتحسين آجال الأداء، وتخفيف شروط الولوج إلى الصفقات، وتكييف أدوات التمويل مع واقع المقاولات الصغيرة، ونشر حصيلة دورية تسمح بتقييم ما تحقق وما لم يتحقق.
لقد أصبح واضحاً أن دعم المقاولة الصغرى والمتوسطة لا يمكن أن يبقى مجرد عنوان داخل السياسات العمومية أو الوثائق التمويلية.
فهذه المقاولات توجد في قلب التشغيل المحلي، وفي صلب المبادرة الاقتصادية، لكنها تحتاج إلى قنوات أكثر وضوحاً وشفافية للوصول إلى التمويل والصفقات والفرص.
يبقى جوهر النقاش في قدرة السياسات العمومية والتمويلات الدولية على إنتاج أثر ملموس، لا في حجم الأرقام المعلنة وحدها.
فالسؤال الذي يهم المقاول الصغير هو: هل وصل إليه الدعم؟ وهل تحولت البرامج إلى فرص حقيقية داخل السوق؟
فإذا بقيت حصة 30 في المائة معلقة في الصفقات، وبقي أثر ملايين الأورو غير واضح بما يكفي داخل قنوات الدعم والتمويل والمواكبة، فإن المقاولات الصغرى والمتوسطة ستظل حاضرة بقوة في الخطاب والوثائق، لكنها غير مرئية بما يكفي في الحصيلة.
أما الإصلاح الحقيقي، فيبدأ حين يصبح كل تمويل مخصص باسم المقاولات الصغرى والمتوسطة قابلاً للتتبع، وكل برنامج قابلاً للتقييم، وكل وعد قابلاً للقياس.
