بقلم: الباز عبدالإله
عاد مشروع القانون رقم 47.25، المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية، إلى واجهة التوتر الاجتماعي، بعدما كشفت معطيات نقابية عن إدخال تعديلات وصفت بالمقلقة على عدد من مقتضياته، في مرحلة كان يفترض أن تتجه نحو تثبيت ما راكمه الحوار القطاعي من توافقات، لا نحو فتح جبهات جديدة مع شغيلة انتظرت هذا الورش لسنوات طويلة.
ويأتي هذا الجدل في وقت تؤكد المعطيات الرسمية أن مشروع القانون رقم 47.25 مودع لدى مجلس المستشارين بتاريخ 5 يونيو 2026، ما يعني أن الملف لم يعد مجرد نقاش داخلي بين النقابات والإدارة، بل دخل مرحلة تشريعية ترفع من حساسية كل صياغة وكل تعديل وكل التزام سابق.
ووفق ما نشره موقع “نيشان”، مساء الخميس 18 يونيو 2026، نقلاً عن معطيات نقابية، فإن النسخة المتداولة داخل النقاش النقابي بعد مسار الإحالة عرفت تغييرات مست عدداً من النقاط التي سبق أن كانت موضوع نقاش واتفاق داخل جلسات الحوار، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام نظام أساسي ينصف موظفي الجماعات الترابية، أم أمام نص قانوني قد يتحول إلى مصدر جديد للاحتقان داخل الإدارة المحلية؟
القضية لا تتعلق بتفصيل إداري معزول، ولا بمجرد اختلاف في الصياغة القانونية.
فموظفو الجماعات الترابية يوجدون في قلب العلاقة اليومية بين المواطن والدولة، من الحالة المدنية إلى التعمير، ومن الرخص الإدارية إلى تدبير القرب والخدمات المحلية.
وأي ارتباك في وضعيتهم المهنية لا يبقى حبيس المكاتب، بل ينعكس مباشرة على جودة المرفق الترابي وعلى ثقة المواطن في الإدارة المحلية.
المكتب الوطني للنقابة الوطنية للجماعات الترابية والتدبير المفوض، حسب المعطيات نفسها، عبّر عن قلقه من تعديلات يعتبر أنها مست جوهر المشروع، من بينها ما تراه النقابة تراجعاً في مقتضيات اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء، وهي نقطة حساسة داخل النص، خاصة أن النسخة الرسمية المودعة تتضمن مادة خاصة بهذه اللجان، ما يجعل الخلاف مرتبطاً بمضمون الصياغة وضماناتها لا بمجرد وجود المادة من عدمه.
ومن بين النقاط التي أثارت الجدل أيضاً ما يرتبط بالتعويض عن العمل خارج أوقات العمل العادية.
فالنص الرسمي ينص على تعويض فترات العمل المنجزة خارج أوقات العمل العادية بفترات للراحة، بينما تعتبر النقابات أن التخلي عن التعويض المالي عن الساعات الإضافية يطرح إشكالاً عملياً داخل جماعات تعرف ضغطاً إدارياً وخصاصاً بشرياً في عدد من المصالح.
هنا يصبح السؤال عملياً أكثر منه قانونياً: كيف يمكن لموظف يشتغل خارج الزمن الإداري، أو يواجه ضغط الملفات والمداومات والانتخابات والمواسم الإدارية الثقيلة، أن يعوض براحة قد لا يجد أصلاً فرصة للاستفادة منها داخل إدارة تعاني خصاصاً بشرياً وتنظيمياً في عدد من الجماعات؟
الراحة الإدارية قد تبدو صيغة أنيقة على الورق، لكنها داخل واقع جماعي مثقل بالملفات قد تتحول إلى تعويض نظري، خصوصاً إذا لم تقترن بضمانات واضحة وآليات تنفيذ ملزمة.
وهذا بالضبط ما تخشاه الشغيلة: أن تنتقل بعض الحقوق من خانة الاستفادة الفعلية إلى خانة الوعود المؤجلة.
النقابة تعتبر أن مشروع النظام الأساسي لم يكن منحة ظرفية من الإدارة، بل ثمرة مسار تفاوضي طويل، بدأ منذ محطات 2002 و2007، وتعزز باتفاق دجنبر 2019، ثم بالمحضر التنفيذي ليونيو 2024. لذلك ترى أن أي تعديل خارج ما تم التوافق بشأنه لا يمس مادة قانونية فقط، بل يمس الثقة في الحوار الاجتماعي نفسه.
وهنا تكمن خطورة الملف.
فوزارة الداخلية، باعتبارها الجهة الحكومية المعنية بتقديم مشروع القانون والقطاع الوصي عبر المديرية العامة للجماعات الترابية، لا تواجه فقط مطلباً نقابياً، بل تواجه اختباراً في احترام منطق التفاوض والالتزامات التي راكمها الحوار القطاعي.
فإذا كان الحوار الاجتماعي ينتهي إلى محاضر واتفاقات، ثم تظهر لاحقاً صيغ لا تعكس، وفق القراءة النقابية، تلك التوازنات، فإن الرسالة التي تصل إلى الشغيلة خطيرة: التوافق لا يحمي المكتسبات، والتوقيع لا يكفي لضمان الالتزام.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن المشروع تطور من نص محدود إلى صيغة أوسع تضم مقتضيات مرتبطة بالتكوين، والتعويضات، والحماية القانونية، والمسار المهني، والمباريات المهنية. وهذا التطور كان يفترض أن يشكل مكسباً للإدارة والموظف معاً، لأن تحديث الجماعات لا يمكن أن يتم بموارد بشرية محبطة أو فاقدة للثقة في أفقها المهني.
غير أن عودة الجدل حول التعديلات الأخيرة فتحت باباً آخر من الأسئلة: هل جرى فعلاً الحفاظ على روح الاتفاقات السابقة؟ هل تتوفر النقابات والرأي العام المهني على النسخة النهائية الكاملة؟ وهل ستتحول مرحلة البرلمان إلى فرصة لتصحيح الاختلالات، أم إلى مجرد ممر شكلي نحو المصادقة؟
مطالب الشغيلة، كما تطرحها النقابات، لا تنحصر في مادة أو تعويض واحد.
هناك رفض لنظام التعاقد داخل الجماعات، ومطلب بتسوية وضعية حاملي الشهادات، وإقرار تعويضات منصفة، وتعزيز الحماية القانونية والإدارية للموظفين، خصوصاً أولئك الذين يشتغلون في واجهات حساسة مع المرتفقين والمنتخبين والسلطات المحلية.
اللافت أن هذا النقاش يأتي في لحظة ترفع فيها الدولة شعارات تحديث الإدارة، وتجويد الخدمات، وتقريب المرفق العمومي من المواطن.
لكن تحديث الإدارة لا يمكن أن يقوم فقط على الرقمنة والخطابات العامة، بل يحتاج أيضاً إلى موظف محمي قانونياً، واضح الوضعية، منصف في التعويض، ومطمئن إلى مساره المهني.
لذلك تبدو وزارة الداخلية، ومعها المديرية العامة للجماعات الترابية، أمام مسؤولية سياسية وإدارية واضحة: نشر المعطيات الدقيقة، توضيح حقيقة التعديلات، وفتح نقاش شفاف حول النسخة النهائية قبل أن يتحول الملف إلى موجة احتجاج جديدة داخل قطاع حيوي.
فالنظام الأساسي لموظفي الجماعات الترابية ليس نصاً تقنياً يهم فئة مهنية فقط، بل جزء من هندسة الدولة المحلية.
وحين يشعر موظفو الجماعات بأن النص الذي انتظروه طويلاً قد يحمل تراجعات بدل ضمانات، فإن الأمر لا يبقى خلافاً نقابياً عادياً، بل يتحول إلى سؤال سياسي وإداري حول الثقة، والالتزام، وطريقة صناعة الإصلاح داخل قطاع يوجد في تماس يومي مع المواطن.
