لم يتوقف عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، عند الرسائل السياسية المرتبطة بانتخابات 2026 خلال اللقاء التواصلي الذي نظمته الكتابة الإقليمية لحزبه بمدينة ورزازات، بل اختار أن يفتح واحداً من أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع المغربي، حين عاد للحديث عن الأسرة والإرث والطلاق والعلاقة بين الرجل والمرأة.
بنكيران، الذي بدا حريصاً على إعادة تعبئة قواعد حزبه بخطاب يجمع بين السياسة والهوية والدين، اعتبر أن الأسرة المغربية تواجه ما وصفه باستهداف متواصل، محذراً من أن النقاش حول بعض القضايا المرتبطة بمدونة الأسرة لم يعد، في نظره، مجرد نقاش قانوني أو حقوقي، بل أصبح يمس البنية العميقة للمجتمع المغربي.
وقال بنكيران، وهو يتحدث أمام أنصاره، إن هناك من يشتغل على ملفات حساسة داخل المجتمع، وفي مقدمتها الإرث والعلاقة بين الرجل والمرأة، مضيفاً أن الإرث “جاء في الإسلام وفي القرآن الكريم بنص قطعي الثبوت وقطعي الدلالة”، قبل أن ينتقد الأصوات التي تدفع نحو مراجعته أو إعادة فتح النقاش حوله.
واعتبر رئيس الحكومة الأسبق أن المساس بهذه القضايا قد يفتح الباب أمام نتائج اجتماعية خطيرة، رابطاً بين التحولات التي تعرفها الأسرة وبين ارتفاع نسب الطلاق، وتراجع الإقبال على الزواج، وانخفاض معدلات الولادة، وتزايد هشاشة الروابط داخل البيوت المغربية.
وفي خطاب مباشر للنساء الحاضرات، دعا بنكيران إلى الدفاع عن الأسرة من داخل المجتمع، معتبراً أن المرأة المغربية ليست طرفاً هامشياً في هذا النقاش، بل فاعل أساسي في حماية توازن البيت واستقرار الأبناء. وقال إن الخطابات التي تقدم الطلاق كحل سهل قد تترك النساء، في النهاية، أمام أعباء اجتماعية ونفسية أكبر، خاصة حين يتعلق الأمر بالأطفال والبنات ومستقبل الأسرة.
ولم يخف بنكيران انتقاده لبعض التوجهات التي قال إنها تستورد نماذج من الخارج وتحاول إسقاطها على المجتمع المغربي، محذراً من أن تقليد تجارب غربية في قضايا الأسرة قد يؤدي، حسب تعبيره، إلى تفكيك الروابط التي ظل المغرب محافظاً عليها لعقود طويلة.
واستحضر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية واقع الأسرة في الغرب، معتبراً أن المغرب ما يزال يتوفر على عناصر قوة اجتماعية وروحية ينبغي الحفاظ عليها، من احترام كبار السن، إلى مكانة الأم، إلى حضور الأب داخل البيت، إلى الدور الذي تلعبه القيم الدينية في ضبط العلاقات الأسرية.
وجاء هذا الخطاب في سياق سياسي واضح، إذ بدا بنكيران وكأنه يحاول إعادة وضع حزب العدالة والتنمية في موقع المدافع عن المرجعية الإسلامية والقيم المحافظة، بعد سنوات من التراجع الانتخابي وفقدان جزء كبير من حضوره داخل المؤسسات.
فالرسالة لم تكن اجتماعية فقط، بل سياسية أيضاً. بنكيران يدرك أن ملف الأسرة قادر على إعادة تحريك النقاش العمومي، واستقطاب فئات واسعة من المجتمع، خاصة في ظل الجدل الذي يرافق كل نقاش مرتبط بمدونة الأسرة والإرث والطلاق والحضانة والزواج.
وفي مقابل الخطاب الذي يرفع شعار تحديث القوانين وتكييفها مع التحولات الاجتماعية، اختار بنكيران أن يتموقع في الضفة المقابلة، مقدماً نفسه كصوت يحذر من المساس بما يعتبره ثوابت شرعية واجتماعية، ومتهماً، بشكل غير مباشر، بعض الأطراف بمحاولة دفع المغرب نحو نموذج لا يشبه تاريخه ولا تركيبته الدينية والثقافية.
ويكشف هذا الجزء من خطاب ورزازات أن بنكيران لا يستعد فقط لمعركة انتخابية في 2026، بل يستعد أيضاً لمعركة رمزية حول الهوية والقيم والأسرة. فبعد حديثه عن السياسة والتحكم والتكنوقراط، عاد إلى الملف الذي يعرف جيداً قدرته على إثارة النقاش: البيت المغربي.
وبين التحذير من “استهداف الأسرة” والدفاع عن أحكام الإرث كما وردت في القرآن، بدا أن بنكيران يريد تحويل النقاش حول مدونة الأسرة إلى عنوان سياسي كبير في المرحلة المقبلة، واضعاً خصومه أمام سؤال حساس: هل يتعلق الأمر بتحديث قانوني طبيعي، أم بتغيير عميق في البنية القيمية للمجتمع المغربي؟
لم يكن كلام بنكيران عن الأسرة مجرد تفصيل عابر داخل لقاء حزبي، بل بدا كإعلان مبكر عن جبهة سياسية جديدة، عنوانها الدفاع عن الأسرة المغربية، وعمقها الحقيقي معركة أوسع حول هوية المجتمع وحدود التحديث القانوني في بلد ما تزال فيه الأسرة واحدة من آخر قلاع التوازن الاجتماعي.
