بقلم: الباز عبدالإله
أعاد تصويت فريق حزب الاستقلال بمجلس المستشارين ضد مقترحي قانونين يتعلقان بتفويت أصول شركة “سامير” في طور التصفية القضائية لفائدة الدولة، وتسقيف أسعار المحروقات، النقاش مجدداً حول مدى التزام الأحزاب السياسية بوعودها الانتخابية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بملفات ذات ارتباط مباشر بالقدرة الشرائية للمواطنين.
وزاد هذا النقاش حدة بعد التصريحات التي أدلى بها الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، خلال لقاء نظمته مؤسسة الفقيه التطواني، حيث وجه انتقادات سياسية مباشرة إلى الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، على خلفية موقف فريق “الميزان” من المقترحين المذكورين.
واستحضر أوزين، في هذا السياق، وعداً انتخابياً سابقاً لحزب الاستقلال ارتبط بتسقيف أسعار المحروقات خلال الحملة الانتخابية لاستحقاقات 8 شتنبر 2021، معتبراً أن التصويت ضد مقترح قانون يسير في هذا الاتجاه يطرح سؤال الانسجام بين الخطاب الانتخابي والممارسة السياسية داخل المؤسسات.
وقال أوزين، مخاطباً بركة، إن الأخير “وعد المغاربة بتسقيف أسعار المحروقات في الحملة الانتخابية لاستحقاقات 2021”، قبل أن ينتقد، بعبارة حادة، ما اعتبره تراجعاً عن ذلك الوعد بعد المشاركة في الحكومة.
كما تساءل عن كيفية انتقال حزب سياسي من رفع شعار تسقيف الأسعار خلال الحملة الانتخابية إلى التصويت ضد مقترح تشريعي مرتبط بالموضوع نفسه.
ولم يحصر الأمين العام لحزب الحركة الشعبية انتقاده في المستشارين البرلمانيين الذين صوتوا ضد المقترحين، بل اعتبر أن المسؤولية سياسية بالدرجة الأولى، على اعتبار أن مواقف الفرق البرلمانية تعكس، في الغالب، توجيهات الهيئات الحزبية التي تنتمي إليها.
وبذلك، فإن النقاش، وفق طرحه، لا يتعلق بتصويت فردي داخل مؤسسة تشريعية، بل بموقف حزبي يستوجب مساءلة سياسية.
وتكتسي هذه القضية حساسية خاصة بالنظر إلى طبيعة الملفين المطروحين.
فملف المحروقات ظل، خلال السنوات الأخيرة، من أكثر الملفات ارتباطاً بالنقاش حول القدرة الشرائية، في ظل تأثير أسعار الطاقة على كلفة النقل والإنتاج وأسعار عدد من المواد والخدمات.
أما ملف “لاسامير”، فقد تجاوز بعده القضائي والاقتصادي ليصبح عنواناً لنقاش أوسع حول الأمن الطاقي ودور الدولة في القطاعات الاستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، فإن التصويت ضد مقترح تفويت أصول “لاسامير” لفائدة الدولة، إلى جانب رفض مقترح تسقيف أسعار المحروقات، منح المعارضة مادة سياسية لإعادة فتح النقاش حول اختيارات الأغلبية الحكومية، ومدى استعدادها للذهاب في اتجاه إجراءات تعتبرها المعارضة ضرورية لحماية المستهلكين والحد من آثار تقلبات سوق الطاقة.
كما ربط أوزين هذا الجدل بما وصفه بـ“الاحتباس السياسي” الذي تعيشه الساحة الوطنية، معتبراً أن عدداً من مؤسسات الوساطة، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، تعاني عجزاً وظيفياً وبنيوياً انعكس على علاقة المواطنين بالسياسة.
وأشار إلى أن نتائج انتخابات 2021 أفرزت توازناً سياسياً مختلاً داخل المؤسسة التشريعية، ما حد، في نظره، من قدرة المعارضة على تفعيل بعض آليات الرقابة البرلمانية.
وفي السياق نفسه، اعتبر الأمين العام لحزب الحركة الشعبية أن اتساع قاعدة الأغلبية داخل البرلمان جعل عدداً من المبادرات التشريعية المعارضة تصطدم بعائق التوازنات العددية، مشيراً إلى أن فريق حزبه تقدم بعدد كبير من مقترحات القوانين، دون أن تجد طريقها إلى القبول أو التفاعل الإيجابي.
ولم يتوقف أوزين عند ملف المحروقات و“لاسامير”، بل وسع انتقاده ليشمل عدداً من الوعود التي قدمتها أحزاب الأغلبية خلال الحملة الانتخابية، من قبيل توفير مليون منصب شغل، ومدخول الكرامة، وبطاقة رعاية، معتبراً أن مثل هذه الالتزامات كان يفترض أن تخضع منذ البداية لتقدير واضح لإمكانيات التمويل والاستدامة.
ويطرح هذا السجال السياسي سؤالاً أعمق حول العلاقة بين الوعود الانتخابية والممارسة الحكومية.
فالأحزاب، حين تتوجه إلى الناخبين ببرامج تتضمن إجراءات ذات كلفة اجتماعية ومالية، تصبح مطالبة لاحقاً بتفسير مواقفها حين تختلف قراراتها داخل المؤسسات عن خطابها خلال الحملات الانتخابية.
وقد يكون لحزب الاستقلال، من جانبه، مبررات اقتصادية أو مالية أو تشريعية لموقفه من مقترحي القانونين، خاصة إذا ارتبط الأمر بتقدير كلفة التسقيف أو طبيعة تدخل الدولة في ملف “لاسامير”. غير أن ذلك لا يلغي أن تصويت فريقه البرلماني وضع الحزب أمام نقاش سياسي مفتوح حول مدى انسجام موقفه الحالي مع الخطاب الذي قدمه للناخبين سنة 2021.
لذلك، لا يبدو الجدل الدائر بين أوزين وبركة مجرد سجال ظرفي بين زعيمين حزبيين، بل يعكس أزمة أوسع في الثقة بين المواطن والخطاب السياسي.
فكلما عادت الملفات الاجتماعية الكبرى إلى البرلمان، عادت معها ذاكرة الوعود الانتخابية، وبرز السؤال ذاته: إلى أي حد تظل الأحزاب وفية لما تقوله في الحملات حين تصبح جزءاً من القرار الحكومي؟
