بقلم: الباز عبدالإله
أعاد رقم مالي حديث صادر عن صندوق النقد الدولي فتح النقاش حول علاقة المغرب بالمؤسسات المالية الدولية، بعدما أظهر جدول رسمي محين إلى غاية 19 يونيو 2026 أن الائتمان القائم للمملكة لدى الصندوق بلغ 937.5 مليون وحدة حقوق سحب خاصة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدين الخارجي الكامل للمغرب، ولا بمجمل مديونيته العمومية، بل برصيد الائتمان القائم تحديداً لدى صندوق النقد الدولي.
هذا التوضيح ضروري حتى لا يتحول الرقم من معطى مالي رسمي إلى مادة للتضخيم أو التأويل غير الدقيق.
ويُظهر الجدول ذاته أن المغرب لم يسجل، خلال الفترة الممتدة من فاتح يونيو إلى 19 يونيو 2026، أي سحوبات جديدة من صندوق النقد، كما لم يسجل أي تسديدات خلال الفترة نفسها، ليستقر الرصيد القائم عند مستوى 937.5 مليون وحدة حقوق سحب خاصة.
ورغم الطابع التقني لهذا الرقم، فإن دلالته الاقتصادية والسياسية لا تبدو هامشية، لأنه يأتي في سياق يعرف فيه المغرب توسعاً واضحاً في كلفة الأوراش الكبرى، وتسارعاً في برامج الاستثمار العمومي، وارتفاعاً في حاجيات التمويل المرتبطة بالبنيات التحتية، والطاقة، والماء، والنقل، والاستعدادات المرتبطة بالاستحقاقات الدولية المقبلة.
وتُستعمل وحدة حقوق السحب الخاصة، المعروفة اختصاراً بـSDR، كوحدة حسابية لدى صندوق النقد الدولي، وليست عملة يتداولها المواطنون في الأسواق.
لذلك فإن قراءة الرقم تحتاج إلى قدر من الدقة، لأن قيمته لا تقاس فقط بحجمه، بل بالسياق المالي الذي يظهر فيه، وبطبيعة العلاقة التي تجمع المغرب بالمؤسسات الدولية المانحة والممولة.
الأهم في هذا المعطى ليس أن المغرب يتعامل مع صندوق النقد، فذلك أمر عادي في علاقات الدول بالمنظومة المالية الدولية، بل السؤال هو كيف تُدار هذه العلاقة، وما حدود اعتماد المالية العمومية على هوامش التمويل الخارجي لمواكبة الطموحات الكبرى التي تعلنها الدولة.
فالمغرب يقدم نفسه، في الخطاب الاقتصادي الرسمي، كبلد مستقر وقادر على جذب الاستثمارات وقيادة مشاريع كبرى في المنطقة.
غير أن الاستقرار المالي لا يقاس فقط بحجم المشاريع المعلنة، بل أيضاً بقدرة الاقتصاد على تمويل هذه المشاريع دون توسيع الهشاشة المالية أو نقل كلفتها إلى المستقبل.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل تشكل هذه التمويلات الدولية شبكة أمان تساعد المغرب على تدبير الصدمات الخارجية وتقوية الثقة في اقتصاده، أم أنها تكشف في المقابل استمرار حاجة المالية العمومية إلى دعم خارجي لمجاراة كلفة الأوراش الكبرى والالتزامات الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة؟
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن واقع اقتصادي يعرف ضغطاً متواصلاً على الميزانية، سواء بسبب كلفة الاستثمار العمومي، أو بسبب حاجيات القطاعات الاجتماعية، أو بفعل تقلبات أسعار الطاقة والأسواق الدولية، أو بسبب آثار الجفاف وندرة المياه على الاقتصاد الوطني.
كما أن الرهان على الأوراش الكبرى يطرح سؤال الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع.
فالمغاربة لا يقيسون السياسات العمومية فقط بحجم الطرق والموانئ والملاعب والقطارات، بل يسألون أيضاً عن الأثر المباشر لهذه الاستثمارات على الشغل، والأسعار، والخدمات العمومية، والقدرة الشرائية.
لذلك، فإن رقم صندوق النقد لا ينبغي أن يُقرأ كإنذار مالي مباشر، كما لا ينبغي أن يُمرر كمعطى تقني بلا معنى سياسي.
إنه رقم رسمي يفتح باب النقاش حول طريقة تدبير هوامش التمويل، وحول قدرة الدولة على الموازنة بين طموح المشاريع الكبرى وضرورة حماية التوازنات المالية والاجتماعية.
فحين تتوسع الدولة في الاستثمار، يصبح السؤال مشروعاً حول مصادر التمويل.
وحين تتكرر الحاجة إلى خطوط أو تسهيلات أو ائتمانات خارجية، يصبح النقاش العمومي مطالباً بالخروج من لغة الأرقام المغلقة إلى لغة الشفافية السياسية.
المغرب لا يحتاج فقط إلى تمويل أوراشه الكبرى، بل يحتاج أيضاً إلى إقناع المواطن بأن هذه الأوراش لن تتحول مستقبلاً إلى كلفة مؤجلة على الضرائب، أو الخدمات، أو الأجيال القادمة.
القضية لا تكمن في مجرد وجود رصيد ائتمان قائم لدى صندوق النقد الدولي، بل في السؤال الأوسع الذي يطرحه هذا النوع من المعطيات: كيف يمول المغرب طموحاته الكبرى، وبأي كلفة، وضمن أي رؤية اقتصادية واجتماعية؟
فإذا كانت التمويلات الدولية تُستعمل لتقوية اقتصاد منتج، وخلق فرص شغل، وتحسين البنية التحتية، ورفع القدرة التنافسية، فإنها تدخل ضمن منطق الاستثمار الاستراتيجي.
أما إذا تحولت إلى وسيلة دائمة لتخفيف ضغط الميزانية وتأجيل الأسئلة الاجتماعية، فإنها تصبح جزءاً من مشكلة أكبر مرتبطة بنموذج التمويل نفسه.
رقم 937.5 مليون وحدة حقوق سحب خاصة قد يبدو بعيداً عن الحياة اليومية للمغاربة، لكنه في العمق يلامس سؤالاً قريباً منهم: من سيمول كلفة الدولة في السنوات المقبلة؟ وكيف سينعكس ذلك على الأسعار، والضرائب، والخدمات، وفرص الشغل؟
بهذا المعنى، لا يكون جدول صندوق النقد مجرد وثيقة مالية جافة، بل مرآة صغيرة لسؤال كبير: هل يملك المغرب نموذجاً مالياً قادراً على تمويل طموحاته دون أن يوسع اعتماده على التمويل الخارجي؟
