بقلم: الباز عبدالإله
أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، اليونسكو، عن تمويل 16 مشروعاً حول العالم لدعم الفنانين والمهنيين الثقافيين، ضمن برنامج UNESCO-Aschberg، المخصص لتعزيز الوضع المهني والاجتماعي والاقتصادي للفنانين، والدفاع عن حرية الإبداع.
ومن بين المشاريع المختارة، ورد اسم جمعية هوس Hawass المغربية، إلى جانب منظمات ومؤسسات من دول أخرى، في إطار مبادرة دولية تمتد خلال سنتي 2026 و2027، بتمويل يفوق 750 ألف دولار، وبدعم من النرويج.
قد يبدو الخبر، في ظاهره، مجرد منحة ثقافية عابرة أو إنجازاً عادياً لجمعية مغربية ضمن برنامج دولي.
غير أن عمق هذا التمويل يفتح سؤالاً أوسع حول واقع الثقافة في المغرب، وحول هشاشة جزء من أوضاع الفنانين والمهنيين الثقافيين، في بلد يراهن كثيراً على مهرجاناته وواجهته الفنية، لكنه ما يزال مطالباً بتحويل الثقافة من صورة احتفالية إلى منظومة حقوقية ومهنية واضحة.
فالتمويل الدولي، في هذه الحالة، لا ينبغي أن يُقرأ فقط كرقم مالي يضاف إلى مشروع جمعية، بل كإشارة مهنية وحقوقية إلى أن وضع الفنانين يحتاج إلى نقاش أعمق من لغة الاحتفاء. فالسؤال ليس من استفاد فقط، بل لماذا يصبح ملف الحماية الاجتماعية والمهنية للفنان موضوعاً دولياً قبل أن يتحول إلى أولوية داخلية دائمة؟
لقد مر هذا المعطى بهدوء داخل جزء كبير من الفضاء الإعلامي، رغم أن مصدره رسمي ومفتوح، وربما لأن النقاش الذي يحمله لا يدخل ضمن الأخبار المريحة.
فهو يذكرنا بأن المبدع لا يحتاج فقط إلى التصفيق فوق الخشبة، ولا إلى الظهور في الملصقات والاحتفالات، بل يحتاج قبل ذلك إلى اعتراف مهني، وأجر عادل، وتغطية اجتماعية، وإطار قانوني يحميه من هشاشة المهنة وتقلباتها.
وتؤكد اليونسكو أن برنامجها يسعى إلى مواجهة الأوضاع الهشة التي يعيشها عدد من العاملين في المجالات الإبداعية، خاصة حين تكون الحماية الاجتماعية الأساسية، والأجر العادل، والاعتراف القانوني بالوضع المهني للفنان، قضايا غير مضمونة أو بعيدة المنال.
هذه الإشارات لا تخص المغرب وحده، لكنها تلامس جزءاً من واقعه الثقافي.
فالنقاش حول الثقافة في البلاد كثيراً ما يُختزل في المهرجانات، والدعم، والاحتفاء بالرموز، بينما يبقى السؤال الأعمق مرتبطاً بما إذا كان الفنان يُعامل باعتباره مهنياً له حقوق اجتماعية واقتصادية، أم مجرد وجه موسمي يُستدعى عند الحاجة إلى الصورة والواجهة.
إن الفنان لا يمكن أن يظل حاضراً في لحظة الاحتفال وغائباً عند لحظة الحماية.
ولا يمكن أن يُطلب منه أن يساهم في إشعاع صورة البلد، دون أن تكون له هو نفسه صورة واضحة داخل السياسات العمومية، كعامل ثقافي ومهني له وضع قانوني واجتماعي يحميه من التقلبات.
ومن هنا، فإن ذكر جمعية مغربية ضمن تمويل اليونسكو يضع المغرب داخل نقاش دولي حول وضع الفنانين، ليس من زاوية الإنتاج الفني فقط، بل من زاوية الحقوق، والكرامة المهنية، وحرية التعبير الإبداعي، والقدرة على الاستمرار في العمل داخل قطاع غير مستقر.
وتشير اليونسكو إلى أن المشاريع المختارة تندرج ضمن محاور متعددة، من بينها الإصلاحات القانونية والسياسات العمومية، والتنقل الدولي للفنانين، وبناء القدرات في التكنولوجيا الجديدة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى دعم المبدعين المتضررين من الأزمات والنزاعات والكوارث.
هذا المعطى يجعل الخبر يتجاوز حدود منحة موجهة إلى جمعية بعينها، ليفتح نقاشاً مغربياً أوسع: هل توجد سياسة ثقافية قادرة على تحويل الفنان من مستفيد ظرفي من الدعم إلى فاعل مهني محمي قانونياً واجتماعياً؟ وهل تملك الدولة رؤية واضحة تجاه المهن الثقافية، أم أن القطاع ما يزال يتحرك بين المبادرات الفردية، والاعتراف الموسمي، وأسئلة الدعم غير المتكافئ؟
اللافت أيضاً أن اليونسكو تربط هذا التمويل بتنفيذ توصية 1980 الخاصة بوضع الفنان، وباتفاقية 2005 المتعلقة بحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي.
وهذا يعني أن المسألة ليست عملاً خيرياً أو إحساناً ثقافياً، بل جزء من منظومة دولية تعتبر حقوق الفنانين جزءاً من حقوق الإنسان الثقافية، ومن شروط الديمقراطية الثقافية.
في الحالة المغربية، يطرح الخبر سؤالاً حساساً لكنه مشروع: لماذا لا يتحرك النقاش حول وضع الفنانين بقوة إلا حين تأتي إشارة من مؤسسة دولية؟ ولماذا لا تتحول الثقافة، رغم حضورها الكبير في الخطاب الرسمي والمهرجانات والبرامج العمومية، إلى قطاع منظم يوفر حماية حقيقية للعاملين فيه؟
فالحديث عن الصناعات الثقافية لا يكتمل دون الحديث عن الفنان كعامل ومهني، لا كواجهة دعائية أو اسم يُستدعى عند الحاجة إلى الترويج لصورة البلد.
كما أن بناء اقتصاد ثقافي حقيقي لا يمكن أن يتم فوق هشاشة المبدعين، ولا فوق غياب ضمانات اجتماعية واضحة للمشتغلين في الفنون والمجالات الإبداعية.
إننا أمام قطاع ما يزال في حاجة إلى وضوح أكبر في السياسات، وعدالة أوضح في الدعم، واعتراف أعمق بالمهن الفنية والثقافية. فالفنان لا يحتاج إلى أن يكون ضيفاً دائماً على الهامش، ولا مستفيداً ظرفياً من منحة، بل فاعلاً مهنياً داخل منظومة قانونية واقتصادية واجتماعية تحميه وتضمن له الاستمرار.
من هذه الزاوية، يحمل تمويل اليونسكو لمشروع مغربي قيمة رمزية ومهنية في الوقت نفسه.
فهو يسلط الضوء على جمعية مغربية حاضرة ضمن مبادرة دولية، لكنه يضع أيضاً سؤالاً أكبر أمام السياسات الثقافية في البلاد: كيف يمكن حماية الفنان قبل الاحتفاء به؟ وكيف يمكن تحويل الثقافة من واجهة ناعمة إلى قطاع عادل، منظم، وقادر على صون كرامة العاملين فيه؟
احموا الفنان قبل أن تحتفوا به. هذه ليست جملة عاطفية فقط، بل خلاصة سؤال ثقافي وحقوقي عميق.
فالثقافة ليست مجرد مهرجانات وصور وواجهات احتفالية، بل منظومة حقوقية واجتماعية ومهنية متكاملة.
وإذا لم يتحرك النقاش من الداخل لتنظيم القطاع وتحويل الفنان من مستفيد ظرفي إلى فاعل مهني محمي قانونياً، فستظل المؤسسات الدولية تذكرنا، من حين إلى آخر، بأن لدينا طاقات مبدعة، لكن حمايتها ما تزال تحتاج إلى سياسة عمومية أكثر وضوحاً وجرأة.
