فتحت الصحافية بدرية عطا الله، عبر حلقة جديدة من برنامج “ديرها غا زوينة” على قناة “برلمان.كوم”، مواجهة إعلامية ثقيلة مع وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، بعدما عادت إلى ملف مشروع عقاري بتسلطانت، وقدمت سلسلة من الأسئلة والمعطيات التي وصفتها بالمبنية على الوثائق والأحكام والتصاميم.
الحلقة لم تكن رداً عابراً على تصريحات الوزيرة، بل تحولت إلى مرافعة صحفية واسعة وضعت المنصوري أمام أسئلة مباشرة حول رخص الاستثناء، وشبهة تضارب المصالح، ومساطر التعمير، وحقيقة العلاقة بين بعض أفراد عائلتها ومشروع عقاري ضخم يمتد، بحسب ما عرضته عطا الله، على حوالي 66 هكتاراً بمنطقة تسلطانت ضواحي مراكش.
بدرية عطا الله استهلت خرجتها بمخاطبة المنصوري بلغة حادة، معتبرة أن عدداً من المحيطين بها “يصفقون لها ويغلطونها”، قبل أن تؤكد أن ما تقدمه ليس استهدافاً شخصياً، بل أسئلة صحفية مبنية، حسب قولها، على “الحجة والدليل”. وربطت الصحافية بين ردود الوزيرة الأخيرة وبين ملف قالت إنه سبق أن أثارته، يتعلق بوثيقة طلبت فيها الولاية مساهمة مالية لفائدة جماعة تسلطانت والدوار القريب من الأرض موضوع المشروع، بقيمة 500 مليون سنتيم، غير أن أصحاب المشروع، بحسب كلامها، رفضوا أداء هذا الدعم وتراجعوا عن المشروع.
العنصر الذي جعل الحلقة أكثر سخونة هو عودة عطا الله إلى تصريح منسوب للمنصوري قالت فيه إنها لم تطلب قط المرور عبر لجنة الاستثناءات، قبل أن تعرض الصحافية ما قالت إنها وثائق تؤكد عكس ذلك. واعتبرت أن السؤال لم يعد مقتصراً على وجود طلب “ديروكاسيون” من عدمه، بل على سبب عدم تقديم رواية كاملة للرأي العام بخصوص مشروع كبير، وأسماء عائلية مرتبطة به، ومسؤولية سياسية تقع على عاتق وزيرة تشرف على قطاع التعمير.
ولم تتوقف الصحافية عند هذه النقطة، بل انتقلت إلى ما وصفته بـ”وثيقة ضامغة وكاشفة”، مرتبطة بحكم إداري صدر في ملف جماعة تسلطانت. وأشارت إلى أن الحكم، حسب عرضها، ذكر أسماء سعد المنصوري وشركائه، وزهير المنصوري وشركائه، وهما من عائلة الوزيرة، متسائلة إن كانت المنصوري نفسها من بين هؤلاء الشركاء أم لا، وداعية إياها إلى توضيح ذلك للمواطنين بشكل صريح.
واستحضرت عطا الله الحكم الصادر في حق رئيسة جماعة تسلطانت السابقة زينب شين، التي قالت إن المحكمة الإدارية عزلتها بسبب “مخالفات جسيمة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل”، معتبرة أن الملف لا يتعلق بتفصيل إداري بسيط، بل بسياق أوسع عرف، بحسب كلامها، صدور 215 رخصة عشوائية ومجموعة من الخروقات المرتبطة بالتعمير، ومن بينها الملف الذي تربطه بعائلة الوزيرة.
الصحافية تساءلت بوضوح: هل ستلجأ المنصوري إلى مقاضاة المحكمة الإدارية أيضاً لأنها ذكرت أسماء أفراد من عائلتها داخل ملف قضائي؟ ثم عادت لتؤكد أن جوهر النقاش ليس التشهير بالعائلة، بل السؤال السياسي والأخلاقي حول موقع وزيرة التعمير من مشروع عقاري مربح يدخل في اختصاصات قطاعها، وما إذا كان هذا الوضع يضعها أمام شبهة تضارب المصالح، أو حتى شبهة استغلال النفوذ، على حد تعبيرها.
القسم الأكثر تفصيلاً في الحلقة ارتبط بتصاميم المشروع نفسه. فقد عرضت بدرية عطا الله ما قالت إنها صور وتصاميم للرخصة الصادرة باسم أخ المنصوري سعد المنصوري وشركائه، مؤكدة أن رئيسة الجماعة المعزولة بسبب خروقات التعمير هي نفسها التي وقعت رخصة المشروع.
وأضافت أن الرخصة خرجت، بحسب معطياتها، باسم أشخاص قالت إن العقار كان قد فُوّت قبل شهرين من تاريخ الترخيص، لتطرح سؤالاً قانونياً دقيقاً: هل يمكن إصدار رخصة باسم أشخاص لم يعد العقار مسجلاً باسمهم وقت صدور الترخيص؟
ومن داخل التصميم، ذهبت عطا الله إلى تفكيك ما اعتبرته خروقات واضحة لتصميم التهيئة. وقالت إن المادة العاشرة من تصميم التهيئة الخاص بالمنطقة تفرض ألا يقل عرض الطرقات المعبدة المخصصة لحركة السيارات عن 12 متراً، وألا تقل الممرات الخاصة بالراجلين عن 9 أمتار. غير أن المشروع، حسب ما عرضته الصحافية، يتضمن ممرات لا يتجاوز عرض بعضها مترين فقط.
هذا المعطى، في نظر عطا الله، لا يمثل مجرد مخالفة تقنية، بل يمس مباشرة سلامة السكان. وسألت كيف يمكن للوقاية المدنية أو سيارات الإسعاف أو شاحنات الإطفاء أن تتدخل في حالة حريق داخل فيلا لا تفصلها عن غيرها إلا ممرات ضيقة لا تتجاوز مترين.
وذهبت إلى حد السخرية من الوضع، معتبرة أن المشروع يبدو وكأنه يفترض تدخلاً بالمروحيات أو وسائل إنقاذ غير عادية، لأن الممرات لا تسمح، بحسب وصفها، بتدخل عادي للإنقاذ والإطفاء.
ولم تقف الأسئلة عند عرض الطرق والممرات، فقد كشفت الصحافية أن ضابط التهيئة يحدد الحد الأدنى للبقع في 250 متراً مربعاً، بينما تحولت المساحة داخل هذا المشروع، بحسب كلامها، إلى حوالي 160 متراً مربعاً للبقعة الواحدة. واعتبرت أن النتيجة المباشرة لهذا التحول هي رفع عدد الفيلات داخل الهكتار الواحد، إذ عوض 20 فيلا في الهكتار، صار المشروع يسمح، حسب حساباتها، بحوالي 29 فيلا في الهكتار، وهو ما يعني كثافة أكبر وأرباحاً أعلى داخل مشروع يمتد على 66 هكتاراً.
كما تحدثت عطا الله عن تراجعات على مستوى الواجهات، مشيرة إلى أن التزامات التهيئة تفرض خمسة أمتار من التراجع على الواجهات المقابلة للطرق، بينما يظهر المشروع، حسب قولها، تراجعات في حدود أربعة أمتار وأحياناً ثلاثة أمتار. واعتبرت أن هذا الوضع يجعل المشروع، بحسب تعبيرها، “خاصو يتسجل كحالة استثنائية في مدارس التعمير”، لا مشروعاً عادياً يخضع لنفس القواعد التي تطبق على باقي المواطنين والمستثمرين.
وسألت الصحافية عن غياب المرافق العمومية داخل المشروع، وعن كيفية حصوله على الترخيص رغم ما وصفته باختلالات تمس الطرق الداخلية ومواقف السيارات، مستحضرة المادة 18 من القانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، والتي تعتبر، حسب عرضها، أن الطرق الداخلية ومواقف السيارات من أول عناصر التجهيز التي ينبغي توفيرها.
الرسالة التي حاولت عطا الله إيصالها كانت واضحة: هناك، بحسب قولها، كيل بمكيالين في تطبيق قوانين التعمير، حيث يخضع المواطن العادي لمساطر صارمة وطويلة، بينما تمر مشاريع كبرى بطريقة تثير أكثر من علامة استفهام. وطرحت سؤالاً مباشراً على السلطات: لماذا لم يتم توقيف المشروع رغم حجم ما قالت إنها خروقات وأضرار عمرانية وقانونية؟
ولم تكتف الصحافية بملف تسلطانت فقد انتقلت إلى ملف آخر لا يقل حساسية، يتعلق بساحة جامع الفنا بمراكش. وبدأت هذا المحور بشكر ساخر للسلطات على “سرعة التفاعل” مع حلقة سابقة عرضت فيها صوراً لما وصفته بالوسخ فوق أرضية الساحة، قبل أن تشير إلى أن عمالاً جرى تشغيلهم في يوم عطلة بمناسبة فاتح محرم من أجل غسل الأرضية، متسائلة عن حقوق العمال وعن سبب الارتباك في تدبير ملف يهم فضاءً عالمياً ورمزياً بحجم جامع الفنا.
وتحدثت عطا الله عن أرضية الساحة والمواد المستعملة فيها، منتقدة ما وصفته بلون يشبه القطران، ومتسائلة عما إذا كانت الأشغال قد احترمت التصاميم والدراسات ودفتر التحملات. كما أثارت الجدل حول الكلفة المالية للمشروع، مشيرة إلى ما يتداوله مواطنون حول مبلغ 16 مليار سنتيم، قبل أن تعبر عن شكها في الرقم وتقول إن حتى ثلاثة مليارات ستكون كثيرة على ما تم إنجازه، بحسب تعبيرها.
واعتبرت الصحافية أن ساحة جامع الفنا، بما لها من رمزية عالمية وتراثية، كان ينبغي أن تحظى بمواد مغربية أصيلة وبلمسة تحترم الصناعة التقليدية والمنتوج المحلي، بدل اعتماد اختيارات قالت إنها تطرح أسئلة حول مصدر المواد المستعملة، مشيرة إلى احتمال استعمال منتوج أجنبي في الأرضية، ومعتبرة أن تشجيع الصناع التقليديين والزليج المغربي كان أولى في فضاء بهذا الحجم الرمزي.
ومن جامع الفنا، وسعت عطا الله دائرة الأسئلة نحو عدد من مشاريع مراكش. فتحدثت عن سوق الجملة للخضر والفواكه بسيدي غانم، منتقدة الأوساخ المحيطة به، ومتسائلة عما إذا كان الذباب المتجمع قرب تلك النفايات لا ينتقل إلى الفواكه والخضر التي يستهلكها المراكشيون. كما أثارت ملفات سوق السمارين، والملاح، وساحة القزادرية، وقالت إن معطيات متوفرة لديها تفيد بأن بعض المشاريع تغيرت عن الشكل الذي قدمت به أمام أنظار الملك.
كما طرحت الصحافية أسئلة حول طريق المامونية التي قالت إن حوالي مليار و200 مليون سنتيم صُرفت عليها، وطريق باب غمات التي تحدثت بشأنها عن حوالي مليار ونصف، وشارع آسفي الذي قالت إن كلفته بلغت، حسب الأرقام المتوفرة لديها، حوالي 14 مليار سنتيم، وشارع الفاسي الذي تحدثت بشأنه عن أكثر من 12 مليار سنتيم، إضافة إلى باب دكالة وسيدي يوسف وديور الشهداء والجبيلات وشارع المدارس.
وبهذا المعنى، لم تعد الحلقة محصورة في ملف وزيرة بعينها أو مشروع عقاري واحد، بل تحولت إلى لائحة طويلة من الأسئلة حول طريقة تدبير مراكش، وحول ما إذا كانت المدينة تعيش فعلاً تحولاً عمرانياً منظماً، أم أن بعض المشاريع تخفي وراء واجهاتها أسئلة ثقيلة حول الجودة، والكلفة، والمراقبة، والمسؤولية، واحترام التصاميم الأصلية ودفاتر التحملات.
عطا الله لم تُسقط من حلقتها البعد القانوني المرتبط بالصحافة. فقد ردت على لجوء المنصوري إلى القضاء بالتأكيد أن مواجهة الصحافيين أو من يدلون بآرائهم عبر الصحافة لا ينبغي، حسب رأيها، أن تتم بالقانون الجنائي في ظل وجود قانون خاص بالصحافة والنشر.
واعتبرت أن طرح الأسئلة حول شخصية عمومية وقطاع حساس مثل التعمير يدخل في صميم العمل الصحفي، لا في باب الاستهداف الشخصي.
كما أشارت إلى روايات متداولة بخصوص سفر للمنصوري إلى الولايات المتحدة وعودتها من المطار، لكنها أوضحت أن هذا الملف يحتاج إلى تحرٍّ صحفي قبل تقديم جواب نهائي بشأنه، معتبرة أن من حق الرأي العام أن يعرف حقيقة ما جرى ما دامت المنصوري شخصية عمومية، دون أن تجعل من هذا المعطى محوراً أساسياً للحلقة.
وختمت عطا الله برسالة مباشرة إلى الوزيرة، دعتها فيها إلى الابتعاد عما وصفته بـ”المشورة العوجة”، وإلى تقديم أجوبة واضحة بدل الدخول في مواجهة إعلامية وقضائية، مؤكدة أنها ستواصل تتبع الملف “خطوة بخطوة”، وأن ما تقوم به يدخل في إطار العمل الصحفي وكشف المعطيات للرأي العام.
الحلقة، بكل ما حملته من وثائق قالت عطا الله إنها تتوفر عليها، وتصاميم معروضة، وأحكام مستحضرة، وأرقام مالية ثقيلة، وضعت فاطمة الزهراء المنصوري أمام اختبار تواصلي وسياسي صعب.
فإما أن تقدم الوزيرة والسلطات المعنية أجوبة تقنية وقانونية دقيقة حول رخص تسلطانت، وتصاميم المشروع، ومساطر التفويت، ومعايير التهيئة، وكلفة مشاريع مراكش، وإما أن يظل السؤال مفتوحاً: هل تطبق قوانين التعمير على الجميع بالطريقة نفسها، أم أن النفوذ يجعل بعض المشاريع تعبر من أبواب لا يراها المواطن العادي؟
