بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد الانتقادات الموجهة إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل، في عهد محمد المهدي بنسعيد، مجرد سجال سياسي عابر حول مهرجان أو برنامج ثقافي أو دعم سينمائي.
فما يتراكم اليوم حول تدبير القطاع يكشف أزمة ثقة حقيقية في طريقة صرف المال العمومي، وفي معايير اختيار المستفيدين، وفي حدود الشفافية داخل وزارة يفترض أن تدافع عن الإبداع، لا أن تتركه محاطاً بأسئلة القرب والانتقائية والمردودية.
آخر هذه الانتقادات خرج من داخل البرلمان، بعدما أثار النائب البرلماني عبد الصمد حيكر، عن حزب العدالة والتنمية، ما وصفه بوجود اختلالات في دعم الأعمال السينمائية، متحدثاً عن “التفرقيش” داخل قطاع يفترض أن تقوم فيه لجان الدعم على الاستقلالية، وتكافؤ الفرص، ووضوح المعايير، واحترام قواعد المنافسة الفنية والمهنية.
خطورة هذا النقاش لا تكمن فقط في حدة العبارات المستعملة، بل في طبيعة الأسئلة التي فرضها على الوزير.
من استفاد من دعم السينما؟ بأي معايير؟ من اختار المشاريع؟ ما علاقة محيط الوزارة بالمركز السينمائي المغربي؟ وما حدود تأثير القرب والعلاقات داخل منظومة يفترض أن تخضع للقانون لا للولاءات؟
هذه الأسئلة لا يمكن أن تواجهها الوزارة ببلاغات عامة أو بأجوبة سياسية عابرة داخل البرلمان.
فحين يتعلق الأمر بالمال العمومي، لا يكون الجواب الحقيقي في الخطاب، بل في الوثائق.
والوثيقة الأولى التي ينتظرها الرأي العام اليوم هي اللائحة الكاملة للمستفيدين من الدعم، بالأسماء، والمبالغ، والمعايير، والحصيلة.
بنسعيد لم يعد يملك ترف الحديث عن إصلاح تدريجي أو عن انتقال هادئ نحو الشفافية.
فالانتخابات التشريعية باتت قريبة، ومن يريد دخولها بخطاب المصداقية عليه أن يبدأ من وزارته أولاً، عليه أن يخرج أمام المغاربة بصفته مسؤولاً عمومياً، لا بصفته فاعلاً سياسياً يدافع عن صورته، ويكشف من استفاد من دعم السينما، ومن استفاد من دعم المهرجانات، ومن استفاد من دعم الجمعيات، ومن استفاد من دعم الصحافة، ومن تولى تنفيذ البرامج الثقافية الممولة من جيب المواطن.
فالدعم العمومي ليس امتيازاً خاصاً، ولا منحة مغلقة، ولا مجالاً محفوظاً لمن يعرف الطريق إلى الديوان أو إلى اللجان.
إنه مال عام، ومن حق المغاربة أن يعرفوا أين ذهب، ولمن صُرف، ولماذا مُنح لهذا المشروع دون غيره.
برنامج “نوستالجيا” بدوره لم يعد مجرد مبادرة ثقافية قابلة للتسويق.
لقد تحول إلى سؤال عن الكلفة، والحصيلة، ونسب الإقبال، وطريقة اختيار الجهة التي أشرفت عليه.
وإذا كانت ملايين الدراهم قد رُصدت لهذا البرنامج، فمن حق المواطنين أن يعرفوا ماذا كانت النتيجة، وكم حضر من المواطنين، ومن هي الشركة التي استفادت، وبأي مسطرة تم اختيارها.
الثقافة لا تقاس بالإنارة، ولا بعدد الصور الرسمية، ولا بقوة الحملات التواصلية، الثقافة الممولة من المال العام تقاس بالأثر، وبالوصول إلى الجمهور، وبعدالة التوزيع، وبقدرة البرامج على خدمة الفنانين والمبدعين، لا على إنتاج واجهات جميلة بلا حصيلة واضحة.
ومنذ جدل “طوطو” والمهرجانات، ظل سؤال الاختيارات الثقافية يلاحق بنسعيد يومها دافعت الوزارة عن حرية الإبداع ورفضت منطق الرقابة، وهو مبدأ لا يمكن إنكاره.
غير أن النقاش الحقيقي لم يكن حول حرية فنان بعينه، بل حول علاقة تلك الاختيارات بالمال العمومي، وحول ما إذا كانت الوزارة تدعم صناعة ثقافية حقيقية أم تساهم في صناعة الضجيج.
حتى في ملف “نيو موتورز”، وجد بنسعيد نفسه أمام سؤال آخر يرتبط بحدود العلاقة بين الموقع العمومي والمصالح الاستثمارية الخاصة.
وحتى مع نفي أي مسؤولية تدبيرية مباشرة، فإن السياسة لا تقف عند حدود القانون الضيق، بل تشمل أيضاً الأخلاق العامة، وتضارب المصالح، وحساسية الجمع بين المسؤولية الحكومية والمصالح الخاصة.
وفي قطاع التواصل، كان ملف المجلس الوطني للصحافة واحداً من أكثر الملفات حساسية.
فالنقاش الذي رافق اللجنة المؤقتة وإعادة تنظيم القطاع طرح سؤالاً جوهرياً حول مستقبل التنظيم الذاتي للصحافة، وحول ما إذا كانت السلطة التنفيذية تريد تأهيل المجال الإعلامي أم إعادة ترتيب خريطته من فوق.
لهذا تبدو مسؤولية بنسعيد مضاعفة، فهو لا يدبر قطاعاً إدارياً عادياً، بل يشرف على الشباب، والثقافة، والتواصل.
أي على قطاعات مرتبطة بالوعي، والخيال، والرأي العام، والجيل الجديد. وحين تطارد الأسئلة هذه القطاعات الثلاثة، لا يعود الأمر خطأ في التواصل، بل أزمة ثقة في التدبير.
أما في قطاع الشباب، فإن الحديث عن الصناعات الإبداعية والألعاب الإلكترونية لا يمكن أن يحجب واقع دور الشباب، وما تعانيه من ضعف في التجهيز، وقلة في التأطير، وهشاشة في البرمجة.
فالشباب لا يحتاجون فقط إلى معارض وخطابات عن المستقبل الرقمي، بل إلى فضاءات مفتوحة، وبرامج قريبة من الأحياء، وفرص حقيقية يشعرون بها في حياتهم اليومية.
المطلوب اليوم واضح وبسيط، نشر اللوائح الكاملة للمستفيدين من دعم السينما، والجمعيات، والمهرجانات، والبرامج الثقافية، والصفقات المرتبطة بالتجهيزات، والدعم الموجه إلى الصحافة، مع المبالغ، والمعايير، والحصيلة.
هذه ليست حملة ضد الثقافة، ولا ضد الدعم، ولا ضد الإبداع. بالعكس، الشفافية هي الطريق الوحيد لحماية الثقافة من الشبهة. فالدعم حين يكون واضحاً يصبح سياسة عمومية، وحين يكون غامضاً يتحول، في نظر المواطن، إلى ريع، ولو لم تثبت فيه مخالفة قانونية.
بنسعيد، إذا كان يريد دخول المرحلة الانتخابية المقبلة بخطاب نظيف، فعليه أن يبدأ من هنا لا من الشعارات، ولا من الصور، ولا من لغة الإنجازات العامة، بل من كشف الحساب، لأن المصداقية لا تُطلب من الناخبين، بل تُبنى أمامهم بالوقائع والأرقام.
الوزير الذي يريد أن يقنع المغاربة بأنه يخدم الثقافة والشباب والصحافة، عليه أن يقبل أولاً بامتحان الشفافية.
ومن لا يخاف من لوائح الدعم ينشرها، ومن يثق في اختياراته يضعها أمام الرأي العام، ومن يريد الحديث باسم المستقبل عليه أن يوضح أولاً كيف صُرف مال الحاضر.
لقد انتهى زمن الاختباء خلف العناوين الجميلة، لم يعد كافياً أن تقول الوزارة إنها تدعم الثقافة، أو تواكب السينما، أو تراهن على الشباب، أو تنقذ الصحافة.
السؤال اليوم أكثر مباشرة من أخذ الدعم؟ كم أخذ؟ لماذا أخذه؟ وماذا قدم للمغاربة؟
هذه هي المعركة الحقيقية لبنسعيد قبل التشريعيات، فإما أن يقدم كشف حساب واضحاً يعيد شيئاً من الثقة، وإما أن تبقى الثقافة في عهده معلقة بين الواجهة والريبة، وبين الطموح المعلن والسؤال الذي لا يموت: أين ذهب المال العام؟
