بقلم: الباز عبدالإله
طالب وزير العدل عبد اللطيف وهبي بإعادة القاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا إلى المملكة، مؤكداً أن المغرب لن يتخلى عن أطفاله وأن الدولة تتحمل مسؤوليتها تجاههم، غير أن هذا الموقف يعيد إلى الواجهة سؤالاً يسبق إجراءات الإعادة نفسها: قبل أن يصبح هؤلاء القاصرون ملفاً دبلوماسياً وقانونياً بين الرباط ومدريد، ما الذي دفع أطفالاً مغاربة أصلاً إلى مغادرة بلدهم والمغامرة بالوصول إلى سبتة المحتلة؟
السؤال لم يعد نظرياً بعد المشهد الذي وُثق يوم 3 غشت الجاري لطفل مغربي غير مصحوب لا يتجاوز عمره 12 سنة، كان جندي إسباني يقوده في اتجاه الحدود المغربية، بينما كان الطفل يبكي ويرفض إعادته، قبل أن يتدخل مسؤول عسكري أعلى ويوقف العملية على بعد أمتار من الحدود بعد التأكد من أنه قاصر وغير مصحوب.
ونقل صحفي «Cadena SER» نيكولاس كاستيانو، الذي كان حاضراً في المكان، أن الطفل، الذي أطلق عليه اسم «محمد»، ظل طوال الطريق يردد باكياً: «لا، المغرب لا… لا، المغرب لا»، وكان بالكاد يستطيع الكلام من شدة الانهيار، قبل أن يتولى الحرس المدني أمره ويسلمه إلى الصليب الأحمر، ليُعاد بعد ذلك إلى داخل سبتة.
ولا يسمح هذا المشهد وحده باستخلاص الأسباب الشخصية التي دفعت الطفل إلى الهجرة، كما أن رفضه العودة لا يحسم قانونياً مصيره، لكنه يضع أمام النقاش سؤالاً يصعب تجاوزه: لماذا يصل طفل في الثانية عشرة من عمره إلى درجة الانهيار والبكاء عندما يقترب من إعادته إلى بلده؟
ويصبح السؤال أكثر ثقلاً بالعودة إلى تصريحات وهبي نفسه بشأن الملف، إذ أكد أن معالجة وضع كل قاصر ينبغي أن تراعي مصلحته وظروفه العائلية وإرادته، بالتوازي مع تمسك المغرب باستعادة أبنائه وتحمل مسؤوليته تجاههم.
غير أن العبارة الأثقل في حديث وزير العدل جاءت عندما وصف دوافع مغادرة هؤلاء القاصرين، قائلاً إنهم «اختاروا طواعية بين مزدوجتين أن يتركوا هذا الوطن من أجل غد أفضل».
وهنا ينتقل جزء أساسي من النقاش من مدريد إلى الرباط.
فإذا كان عضو في الحكومة المغربية يقر بأن قاصرين غادروا وطنهم بحثاً عن «غد أفضل»، فلماذا بدا ذلك الغد بالنسبة إلى بعضهم موجوداً وراء الحدود وليس داخل البلد الذي ولدوا وترعرعوا فيه؟
وما الذي يدفع طفلاً في الثانية عشرة إلى الوصول وحده إلى سبتة المحتلة، ثم إلى الانهيار باكياً عندما يُقاد في اتجاه إعادته إلى المغرب؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إحراجاً عند استعادة تصريح سابق لوَهبي داخل البرلمان في يوليوز 2023، عندما قال، وهو يتحدث عن القاصرين المغاربة الموجودين بالخارج: «أولاد المغاربة مسؤوليتنا»، مؤكداً استعداد المغرب لاسترجاعهم.
وإذا كان أطفال المغاربة مسؤولية الدولة، كما قال وهبي، فإن هذه المسؤولية لا يمكن أن تبدأ فقط عند باب مركز إيواء في سبتة أو مدريد، بعدما يكون القاصر قد غادر المغرب وعبر الحدود.
المسؤولية تبدأ قبل ذلك، في المدرسة قبل أن يغادرها الطفل، وفي الأسرة ومحيطها قبل أن ينفصل عنها، وفي فرص التعليم والتكوين والاندماج قبل أن يقتنع قاصر بأن مستقبله قد يكون أفضل إذا غادر وطنه.
وهبي نفسه سبق أن قدم مفتاحاً آخر لهذا النقاش خلال احتجاجات الشباب في أكتوبر 2025، عندما أقر بأن الحكومة «ربما أخطأت في بعض الخطط»، مؤكداً أنها ستعمل على تصحيح الأمور والاستجابة لمطالب الشباب.
وفي السياق نفسه، شدد وزير العدل على أن «القاصر له حقوق وليس عليه مسؤوليات».
وعند وضع هذه التصريحات جنباً إلى جنب، تتشكل مفارقة سياسية واضحة: وهبي يقول إن «أولاد المغاربة مسؤوليتنا»، ويؤكد أن «القاصر له حقوق وليس عليه مسؤوليات»، ويقر بأن الحكومة «ربما أخطأت في بعض الخطط»، ثم يصف قاصرين بأنهم غادروا المغرب بحثاً عن «غد أفضل».
وهنا يصبح السؤال عن المسؤولية أكثر وضوحاً: هل تبدأ مسؤولية الدولة بعد وصول الطفل إلى إسبانيا، أم قبل اللحظة التي يقرر فيها أصلاً مغادرة المغرب؟
وهل ينصب النقاش فقط على كيفية إعادة القاصر الذي عبر نحو سبتة المحتلة، أم يمتد أيضاً إلى الظروف والسياسات التي لم تنجح في إقناعه بأن مستقبله يمكن أن يبنى داخل بلده؟
ولا يمكن تحميل عبد اللطيف وهبي شخصياً أسباب ظاهرة اجتماعية واقتصادية معقدة تتجاوز اختصاص وزارة العدل، غير أن وهبي عضو في حكومة تدبر البلاد منذ سنة 2021، وهو الذي اختار أن يجعل مسؤولية الدولة تجاه أطفالها أساساً لموقفه من ملف القاصرين الموجودين في إسبانيا.
ومن حق المغرب أن يطالب باستعادة أبنائه وفق القانون ومصلحة كل طفل، وعلى إسبانيا بدورها احترام الضمانات القانونية وحماية القاصرين والتعامل مع كل حالة وفق ظروفها ومصلحتها الفضلى.
لكن إعادة القاصر إلى المغرب لا يمكن أن تكون نهاية السؤال.
لأن السؤال الحقيقي يبدأ في اليوم التالي لعودته: إلى ماذا سيعود؟
وهل سيجد داخل بلده ذلك «الغد الأفضل» الذي قال وهبي نفسه إن هؤلاء القاصرين خرجوا للبحث عنه؟
وهنا قد تكون الجملة الأثقل في كل تصريحات وزير العدل ليست مطالبته بإعادة القاصرين من إسبانيا، بل اعترافه بأنهم تركوا وطنهم بحثاً عن «غد أفضل».
لأن السؤال الذي تفتحه هذه العبارة لا يحتاج جواباً من مدريد، بل من الرباط:
لماذا لم يجد هؤلاء الأطفال ذلك الغد هنا؟
