لم تكن حلقة برنامج “ديرها غا زوينة”، التي قدمتها الصحافية بدرية عطا الله على قناة برلمان.كوم، مجرد رد إعلامي على شكاية، أو دفاع عابر عن النفس في مواجهة نزاع مفتوح مع مسؤولين سياسيين.
فقد تحولت الحلقة إلى مرافعة صحفية واسعة، جمعت بين الوثيقة والسؤال، وبين السخرية والاتهام السياسي الحذر، وفتحت أكثر من واجهة في وقت واحد: فيلا رئيس جهة مراكش آسفي سمير كودار، تصميم التهيئة، طريق قالت إنها كانت مبرمجة قبل أن تختفي، شكايات ضد الصحافة، ثم ملفات الدعم الثقافي والسينمائي داخل وزارة الشباب والثقافة والتواصل.
بدرية عطا الله بدأت من مراكش، ومن ملف اعتبرته مدخلاً لاختبار الشفافية في تدبير التعمير.
قالت إن فريق البرنامج سبق أن أثار معطيات حول ما وصفه بخروقات واختلالات مرتبطة بفيلا سمير كودار، قبل أن يخرج المعنيون، حسب تعبيرها، إلى النفي والتهديد والتلويح بالمتابعة. غير أن الصحافية اعتبرت أن الرد على ما نُشر لا يكون بالتخويف أو التقليل من شأن العمل الصحفي، بل بالعودة إلى الوثائق الرسمية، وإلى مشروع تصميم التهيئة، وإلى النسخ التي عُرضت على المواطنين خلال مرحلة البحث العلني.
في صلب هذه المرافعة، وضعت عطا الله سؤالاً محدداً: أين ذهبت الطريق التي كانت مبرمجة في مشروع تصميم التهيئة؟ وحسب ما عرضته في الحلقة، فإن طريقاً قالت إنها تحمل الرقم 411 كانت تظهر في وثائق منشورة على الموقع الرسمي، وكانت تمر من محيط فيلا سمير كودار أو تخترق جزءاً من وعائها العقاري، قبل أن تختفي من التصميم بعد المصادقة النهائية.
ومن هنا جاء توصيفها الإعلامي للملف باعتباره قصة “الطريق اللي تبخرات”.
الصحافية شددت على أن ما تقدمه ليس حكماً قضائياً، ولا إدانة جاهزة، بل تحقيق صحفي مبني على وثائق ومعطيات قالت إنها منشورة ومتاحة.
وأوضحت أن مشروع التصميم عُرض على البحث العلني، بما يتيح للمواطنين الاطلاع عليه وتقديم ملاحظاتهم، قبل أن تظهر النسخة النهائية، وفق روايتها، بدون الطريق نفسها.
واعتبرت أن الأمر لا يتعلق بخط صغير داخل خريطة تقنية، بل بممر كان يمكن أن تكون له وظيفة عمرانية ومرورية، خصوصاً في منطقة تعرف ضغطاً على مستوى السير والجولان، في محيط طريق تاركة.
وبحسب ما قالته عطا الله، فإن الصور والفيديوهات التي عرضها البرنامج تُظهر أن مسار الطريق كان يصل إلى محيط الفيلا، ثم ينقطع، قبل أن يظهر مجدداً في الجهة الأخرى.
وهذا، في نظرها، ليس تفصيلاً يمكن المرور عليه بسرعة، بل معطى يستوجب توضيحاً مؤسساتياً دقيقاً: هل كانت الطريق موجودة فعلاً في النسخة المعروضة على البحث العلني؟ هل حُذفت فعلاً من النسخة النهائية؟ ومن اقترح أو قرر أو صادق على ذلك الحذف؟
من هذا المعطى انتقلت بدرية عطا الله إلى سلسلة أسئلة مباشرة: من حذف الطريق؟ ولماذا حُذفت؟ وكيف جرى حذفها؟ وبأي مسطرة؟ ومن سمح بذلك؟ وهل تم الأمر بناءً على تعرض قانوني، أم بناءً على ملاحظة من المجلس الجماعي، أم بقرار إداري آخر لم يظهر أثره بوضوح في الوثائق التي قالت إنها اطلعت عليها؟ هذه الأسئلة، كما قدمتها، لا تستهدف سمير كودار وحده، بل تضع الملف أمام مسؤوليات متداخلة تشمل التعمير والجماعة والوزارة واللجنة المركزية المكلفة بدراسة التعرضات.
وفي هذا السياق، وجهت عطا الله جزءاً من كلامها إلى فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وبصفتها أيضاً عمدة مراكش وقيادية بارزة في حزب الأصالة والمعاصرة.
وسألت، بشكل غير مباشر ومباشر، عن حدود مسؤولية الوزارة واللجنة المركزية في مصير هذا التصميم، وعن الجهة التي كان يمكن أن تسمح بإزالة طريق من وثيقة تعمير دون أن يظهر، حسب قولها، تعرض أو ملاحظة واضحة تبرر ذلك.
وقالت عطا الله إن اللجنة المركزية، وفق ما تفهمه من المسطرة، تبت في تعرضات العموم وملاحظات المجلس.
ومن هنا بنت سؤالها الأكثر حساسية: إذا لم يكن هناك تعرض من المعني بالأمر، وإذا لم تكن هناك ملاحظة صريحة من المجلس الجماعي أو مجالس المقاطعات بشأن هذه الطريق، فمن أين جاءت شرعية حذفها من التصميم النهائي؟ وأضافت أن البحث في الوثائق والمحاضر، حسب قولها، لم يكشف عن ملاحظة تطلب حذف الطريق، ولا عن تعرض مباشر من طرف الشخص المعني.
وتوقفت الصحافية عند اجتماعات المجلس التي قالت إنها انعقدت يومي 20 و21 نونبر 2025، متسائلة عما إذا كانت الملاحظات التي طُرحت خلال هذه المحطة قد أُخذت بعين الاعتبار، وما إذا كانت اللجنة المركزية قالت كلمتها فعلاً بخصوص هذه الطريق.
في نظرها، لا يكفي أن يقال إن التصميم تغير، بل يجب أن يُعرف كيف تغير، وبناءً على أي وثيقة، وبقرار من أي جهة.
لذلك طالبت بفتح بحث من طرف الجهات المختصة، وعلى رأسها النيابة العامة، من أجل فحص الوثائق والمساطر والقرارات التي قادت إلى اختفاء الطريق من النسخة النهائية.
المحور الثاني في الحلقة ارتبط بالشكاية المرفوعة ضد برلمان.كوم وبدرية عطا الله.
فقد اعتبرت الصحافية أن ما قامت به يدخل في إطار العمل الصحفي المهني، وأنها لم تصدر حكماً قضائياً ولم تمارس السب أو القذف، بل طرحت أسئلة انطلاقاً من وثائق.
وانتقدت، في المقابل، لجوء المعنيين إلى القضاء، معتبرة أن مواجهة التحقيقات الصحفية لا ينبغي أن تتم بطلب تعويضات ثقيلة أو بمتابعات جنائية، بل بإخراج الوثائق المضادة وتقديم توضيحات واضحة للرأي العام.
في هذا السياق، دافعت عطا الله عن حرية الصحافة، وتوقفت عند الفرق بين قانون الصحافة والنشر والقانون الجنائي.
وقالت إن الصحفي، حين يكتب أو يتحدث في إطار مهنته، يفترض أن يُحاسب وفق القانون المنظم للصحافة، لا أن يُدفع مباشرة نحو القانون الجنائي، إلا إذا تعلق الأمر بأفعال لا علاقة لها بالمهنة.
واعتبرت أن نقل نزاع مرتبط بالنشر إلى المجال الجنائي يبعث برسالة مقلقة إلى الجسم الصحفي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات تمس مسؤولين منتخبين أو أعضاء في الحكومة.
وتساءلت أيضاً عن سبب اختيار مراكش كفضاء للتقاضي، رغم تأكيدها احترامها للقضاء المغربي وثقتها في مؤسساته.
لكنها ربطت هذا السؤال بما وصفته بمحاولة الضغط على الصحافة، مشيرة إلى أن ملفات مماثلة كان يمكن أن تواجه بحق الرد، أو بالتصحيح، أو بنشر الوثائق، بدل تحويلها إلى معركة قضائية مفتوحة.
وذكرت، بنبرة ساخرة، أن مطالب التعويض الكبيرة لا يمكن أن تكون جواباً طبيعياً على أسئلة صحفية محرجة، ما دام الأصل في النقاش العمومي هو الرد بالحجة لا بالإرهاق القضائي.
بعد ملف كودار والمنصوري، فتحت بدرية عطا الله قوساً واسعاً حول وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد. واستحضرت في هذا الباب مداخلة النائب البرلماني عبد الصمد حيكر داخل البرلمان، حين تحدث عن “التفرقيش” في مجال دعم السينما، وطرح أسئلة حول الدعم، واللجان، والمعايير، والعلاقات، والشركات التي تستفيد من برامج ثقافية وسينمائية.
وهنا انتقل خطاب عطا الله من تصميم التهيئة في مراكش إلى ملفات قالت إنها صالحة لتحقيقات صحفية معمقة داخل قطاع الثقافة.
في ملف بنسعيد، ركزت عطا الله على برنامج “نوستالجيا”، وعلى تجهيز المراكز الثقافية بالمعدات السينمائية، وعلى الدعم السينمائي والمهرجانات.
واستعادت أسئلة حيكر حول كلفة هذه البرامج، ومعايير اختيار الجهات المشرفة عليها، وحجم الإقبال عليها، ومردوديتها، والشركات التي استفادت منها، والعلاقات المحتملة لبعض الأسماء الموجودة في محيط الوزير أو ديوانه بالمركز السينمائي المغربي ولجان الدعم.
ولم تقدم هذه النقاط كحقائق قضائية نهائية، بل كمعطيات قالت إنها تحتاج إلى تتبع وتدقيق، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمال عمومي.
وشددت عطا الله على أن النقاش ليس ضد الفن ولا ضد الفنانين ولا ضد المخرجين الجادين، بل ضد أي طريقة يمكن أن تجعل الدعم الثقافي مجالاً مغلقاً تستفيد منه فئة محدودة، بينما تبقى مهرجانات جهوية ومبادرات محلية ومبدعون خارج دائرة الاهتمام.
واعتبرت أن السؤال الحقيقي هو: من استفاد؟ بأي معيار؟ ما الكلفة؟ ما الحصيلة؟ وما أثر هذه البرامج على المواطن؟ فالوزارة، في نظرها، لا يكفي أن تقدم مشاريع بعناوين جميلة، بل مطالبة بتقديم أرقام ومعايير ونتائج.
كما أشارت إلى ملفات أخرى قالت إنها ستعود إليها بتحقيقات خاصة، من بينها الاستثمار في السيارات، والاستفادة من دعم الدولة، وتجديد القاعات السينمائية، وتنظيم معرض الكتاب. وقدمت هذه الملفات باعتبارها قابلة للفحص من زاوية الحكامة والمال العام وتضارب المصالح، مؤكدة أن الصحافة ستواصل الاشتغال عليها وفق قواعد التحقيق، لا بمنطق التسرع أو الاتهام غير المؤسس.
ولم تكتف بدرية عطا الله باستحضار ملفات الخصوم السياسيين، بل عادت إلى تدخل نائب برلماني من حزب الأصالة والمعاصرة، ولد زروال، الذي انتقد وضعية الساكنة القروية في علاقة بالتعمير والسكن.
وقالت إن هذا التدخل كشف جانباً من معاناة مواطنين في الدواوير لا يبحثون عن بناء مشاريع كبرى، بل فقط عن إضافة مطبخ أو مرحاض في بيوت بسيطة أو خيام.
واستعملت هذا المثال لتقول إن النقد لا يأتي فقط من خارج الحزب الذي تنتمي إليه فاطمة الزهراء المنصوري، بل حتى من داخله، وأن ملف التعمير في العالم القروي لم يعد قابلاً للتجميل بالخطاب الرسمي.
ومن زاوية سياسية ساخرة، ربطت عطا الله بين تكاثر الدعاوى في مراكش وبين مشروع القطار فائق السرعة، معتبرة أن كثرة الملفات التي يُراد جرها إلى مراكش قد تجعل الحاجة إلى تسريع الربط السككي أكثر إلحاحاً.
كما علقت على بعض الإعلانات التي تنسب مشاريع ملكية إلى حصيلة الحكومة، معتبرة أن هناك خطاباً سياسياً يحاول توظيف إنجازات كبرى ضمن رصيد حكومي انتخابي، في وقت يعيش فيه المواطنون، حسب تعبيرها، تحت ضغط الغلاء وتراجع الثقة.
الحلقة حملت أيضاً إشارات إلى المشهد الحزبي والانتخابي المقبل.
فقد تحدثت عطا الله عن حكومة عزيز أخنوش، وعن حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، معتبرة أن الأحرار ما زالوا يملكون حظوظاً انتخابية قوية، خصوصاً في ظل ما وصفته بثقل بعض قيادات حزب الأصالة والمعاصرة على حزبهم، وتراجع جاذبية خصوم آخرين. لكنها شددت، في المقابل، على أنها لا تستهدف الأحزاب كتنظيمات، بل تتحدث عن تصرفات أشخاص ومسؤولين، بغض النظر عن انتماءاتهم.
وفي نهاية الحلقة، فتحت بدرية عطا الله الباب أمام ملفات قالت إنها ستعود إليها لاحقاً، من بينها ملف العربي المحارشي في وزان، واسم نبيل البركة، شقيق محاسن البركة، وتعيينات في وكالة حضرية بطنجة سنة 2024.
وقدمت هذه العناوين باعتبارها ملفات تطرح، حسب رأيها، أسئلة حول العلاقات وتضارب المصالح، مؤكدة أن الصحافة ستعود إليها إذا توفرت الوثائق والمعطيات الكافية.
اللافت في هذه الحلقة أنها جمعت بين ثلاثة مستويات في خطاب واحد: مستوى الوثيقة، عبر تصميم التهيئة والطريق رقم 411 والتعرضات والمحاضر؛ مستوى الدفاع عن حرية الصحافة، عبر انتقاد اللجوء إلى المتابعة الجنائية في مواجهة عمل صحفي؛ ومستوى مساءلة المال العام، عبر ملفات الدعم الثقافي والسينمائي وبرامج وزارة الشباب والثقافة والتواصل.
وبذلك لم تقدم بدرية عطا الله نفسها كطرف يكتفي بالرد على شكاية، بل كصحافية تريد تحويل المعطيات المتفرقة إلى قضية رأي عام.
غير أن قوة هذه الحلقة لا تكمن فقط في نبرتها، بل في الأسئلة التي وضعتها أمام المؤسسات.
إذا كانت الطريق لم تُحذف، فلتخرج الجهات المعنية الوثائق التي تثبت ذلك.
وإذا كانت قد حُذفت وفق مسطرة سليمة، فليتم شرح هذه المسطرة للرأي العام.
وإذا كانت برامج الدعم الثقافي والسينمائي ناجحة وشفافة، فلتنشر الوزارة الكلفة والمعايير والمستفيدين ونسب الإقبال.
وإذا كانت الشكايات ضد الصحافة مؤسسة، فليتم الاحتكام إلى القانون بما يضمن حق الرد وحرية التعبير وعدم تحويل القضاء إلى وسيلة لإسكات السؤال.
في النهاية، وضعت بدرية عطا الله ثلاثة ملفات على الطاولة دفعة واحدة: التعمير في مراكش، حرية الصحافة، والدعم الثقافي والسينمائي.
وما يجمع هذه الملفات كلها هو سؤال واحد: من يراقب القرار حين يتقاطع المال العام بالنفوذ السياسي؟ بين طريق قالت إنها تبخرت، ودعم ثقافي تساءل البرلمان عن مستفيديه، وشكايات تواجه الصحافة، تبدو حلقة “ديرها غا زوينة” أكثر من سجال إعلامي، وأقرب إلى محاولة لتحويل السخرية إلى مساءلة، وتحويل الوثيقة إلى ملف مفتوح أمام الرأي العام.
