بقلم: الباز عبدالإله
وضعت وثيقة رسمية جديدة للاتحاد الأوروبي عدداً من الملفات السياسية والحقوقية بالمغرب تحت المجهر، من المقتضيات المرتبطة بتحريك المتابعات في قضايا الفساد، إلى وضع الإعلام المستقل واحتجاجات «GenZ 212»، وصولاً إلى طبيعة تصويت الرباط داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وذلك في تقرير أوروبي نُشر اليوم الثلاثاء 11 غشت 2026، قبل أسابيع من الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في شتنبر.
وتحمل الوثيقة عنوان «حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم خلال سنة 2025»، وهي جزء من التقارير القطرية الصادرة عن دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي، وتتكون من 282 صفحة، خُصص ضمنها فصل مستقل للمغرب يبدأ من الصفحة 51، ويقدم قراءة أوروبية لأبرز التطورات القانونية والحقوقية والسياسية التي شهدتها المملكة خلال السنة الماضية.
وفي واحد من أكثر مقاطع التقرير حساسية من الناحية السياسية، توقف الاتحاد الأوروبي عند دخول قانون المسطرة الجنائية الجديد حيز التنفيذ في دجنبر 2025، معتبراً أن النص شكل خطوة مهمة في تعزيز حقوق الأشخاص الموضوعين رهن الحراسة النظرية وتشديد شروط اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، لكنه سجل، في المقابل، أن بعض مقتضيات القانون أثارت مخاوف، وخص بالذكر منح النيابة العامة حصرية تحريك المتابعات في قضايا الفساد.
ويعيد هذا التقييم الأوروبي إلى الواجهة النقاش الذي رافق الصلاحيات القانونية المرتبطة بتحريك قضايا المال العام والفساد، دون أن تتحدث الوثيقة عن وقائع فساد بعينها أو توجه اتهامات إلى مسؤولين محددين، إذ تقتصر ملاحظتها على الإطار المؤسساتي والقانوني المنظم لفتح هذا النوع من المتابعات.
وانتقلت الوثيقة بعد ذلك إلى احتجاجات «GenZ 212»، التي قالت إنها طبعت سنة 2025 بانطلاقها على الصعيد الوطني في أواخر شتنبر، وربط التقرير بدايتها بوفيات أمهات داخل مستشفى عمومي، قبل أن تتوسع المطالب لتشمل تحسين الولوج إلى خدمات الصحة والتعليم ومكافحة الفساد.
وأوضح التقرير أن عدداً كبيراً من التجمعات ظل سلمياً، مضيفاً أن منظمات حقوقية أبلغت عن استعمال مفرط ومميت للقوة وعن اعتقالات نفذتها أجهزة إنفاذ القانون في عدد من المدن.
وتظل هذه المعطيات، وفق صياغة الوثيقة نفسها، منسوبة إلى تقارير منظمات حقوقية، ولا يقدمها الاتحاد الأوروبي باعتبارها خلاصات قضائية نهائية أو أحكاماً مثبتة في حق أجهزة أو مسؤولين بعينهم.
وحضر ملف الإعلام بدوره بقوة في التقييم الأوروبي، إذ سجل التقرير تحسن ترتيب المغرب بتسعة مراكز في مؤشر حرية الصحافة العالمي لسنة 2025، ليحل في المرتبة 120 من أصل 180 دولة، لكنه اعتبر، في المقابل، أن وسائل الإعلام المستقلة والصحافيين، إلى جانب المعلقين على شبكات التواصل الاجتماعي والنشطاء، واصلوا مواجهة ما وصفه بـ«ضغوط كبيرة».
ولم يقتصر التقرير على تسجيل الملاحظات المنتقدة، إذ أورد أيضاً مجموعة من التطورات التي اعتبرها إيجابية أو قيد الإصلاح، من بينها توسيع برامج الحماية الاجتماعية وتطبيق العقوبات البديلة، إلى جانب استمرار مراجعة مدونة الأسرة، التي يتوقع التقرير أن تشمل قضايا مرتبطة بزواج القاصرات وتشديد شروط تعدد الزوجات وتعزيز حقوق النساء بعد الطلاق.
وتكتسب الوثيقة بعداً سياسياً إضافياً عندما تنتقل من الوضع الداخلي إلى سلوك المغرب داخل المؤسسات الدولية، إذ ذكرت أن المملكة كانت عضواً في مجلس حقوق الإنسان خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2025، في ثالث ولاية لها، قبل أن تسجل أن مواقف المغرب خلال الدورة الستين للمجلس «نادراً ما تقاطعت» مع مواقف الاتحاد الأوروبي.
وبحسب التقرير، صوت المغرب في أكتوبر 2025 لصالح القرار المتعلق بـ«مسألة عقوبة الإعدام»، لكنه صوت في مناسبات متعددة بصورة مختلفة عن الاتحاد الأوروبي بشأن قرارات تتناول أوضاع حقوق الإنسان في دول ثالثة.
ولم تحدد الوثيقة، في هذا المقطع، جميع القرارات أو الدول التي شملها الاختلاف في التصويت، لكنها سجلت هذا التباين باعتباره أحد ملامح الحضور المغربي داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى مشاركة المغرب في أول مؤتمر عالمي حول الاختفاء القسري في جنيف، كما سجل مشاركة وزير الخارجية المغربي في المؤتمر الوزاري الرابع حول السياسات الخارجية النسوية الذي انعقد في باريس خلال أكتوبر 2025.
ويكتسي التقييم أهمية خاصة بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يذكّر داخل الوثيقة نفسها بأن الانخراط السياسي الثنائي مع المغرب تؤطره اتفاقية الشراكة بين الطرفين، التي تجعل احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية ضمن مرتكزات العلاقة.
كما يشير التقرير إلى استمرار بروكسيل في تمويل برامج مرتبطة بحقوق الإنسان وإصلاح العدالة ودعم المجتمع المدني، شملت المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومشاريع للتوأمة المؤسساتية وبرامج موجهة إلى جمعيات ومنظمات مدنية.
ولا تشكل الوثيقة تقييماً للعملية الانتخابية المغربية المقبلة، كما أنها لا تربط خلاصاتها مباشرة بانتخابات شتنبر، بل تقدم حصيلة أوروبية سنوية لأوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية خلال سنة 2025.
غير أن صدورها في هذا التوقيت، قبل دخول المغرب الأسابيع الأخيرة السابقة للاستحقاقات الانتخابية، يعيد إلى الواجهة ملفات مكافحة الفساد وحرية الإعلام والاحتجاج الاجتماعي وآليات تحريك المتابعات في قضايا المال العام، وهي ملفات مرشحة بدورها للحضور في النقاش حول حصيلة المرحلة السياسية المنتهية.
