بقلم: الباز عبدالإله
وضع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هدر الغذاء أمام مفارقة ثقيلة في بلد يواجه ضغطاً متزايداً على موارده المائية وارتفاعاً في كلفة المعيشة، بعدما أورد أن الأسر المغربية أهدرت، وفق تقديرات أممية تخص سنة 2022، نحو 4.2 ملايين طن من الغذاء، فيما تُعبأ أكثر من 1.6 مليار متر مكعب من المياه لإنتاج أغذية لا تُستهلك في نهاية المطاف.
المعطيات وردت في التقرير السنوي للمجلس برسم سنة 2025، الذي استند في تقدير هدر الغذاء لدى الأسر إلى مؤشر هدر الغذاء الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة سنة 2024، والمتعلق بتقديرات سنة 2022.
وبحسب التقرير، يُقدّر متوسط هدر الغذاء على مستوى الأسر المغربية بنحو 113 كيلوغراماً للفرد سنوياً، بإجمالي يفوق 4.2 ملايين طن، مقابل تقدير سابق بلغ 91 كيلوغراماً للفرد.
غير أن المقارنة بين الرقمين لا تعني بالضرورة تسجيل ارتفاع فعلي قدره 22 كيلوغراماً خلال سنة واحدة، بالنظر إلى اختلاف السنوات المرجعية ومنهجيات التقدير، فضلاً عن كون بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة الخاصة بالمغرب تندرج ضمن تقديرات إحصائية وليست قياساً وطنياً مباشراً لكمية النفايات الغذائية.
ولا تقتصر الخسائر على ما ترميه الأسر بعد اقتناء الطعام، إذ يسجل المجلس أن فقدان الغذاء يبدأ منذ مراحل الإنتاج والجني والتخزين والنقل، قبل وصول المنتجات إلى الأسواق والمستهلكين.
وتتراوح الخسائر في بعض سلاسل الخضر والفواكه والحبوب بين 20 و40 في المائة، ما يعني أن جزءاً مهماً من الإنتاج قد يُفقد قبل بلوغه مرحلة الاستهلاك النهائي، رغم ما يتطلبه إنتاجه من أراضٍ ومياه وطاقة وعمل واستثمارات.
ويحدث الهدر أيضاً في مراحل التوزيع والتجارة والاستهلاك بسبب الإفراط في الشراء وضعف المعرفة بأساليب حفظ المنتجات وعدم تثمين السلع غير المبيعة بصورة كافية، إلى جانب الالتباس المرتبط بالتواريخ الموضوعة على بعض المنتجات الغذائية.
وتكتسب الظاهرة وزناً أكبر بالنظر إلى كلفتها المائية، إذ يشير التقرير إلى أن أكثر من 1.6 مليار متر مكعب من المياه تُعبأ سنوياً لإنتاج مواد غذائية لا تُستهلك في نهاية المطاف.
ولا يعني هذا الرقم أن الأسر وحدها تهدر هذه الكمية من المياه، بل يرتبط بالبصمة المائية الإجمالية للأغذية المفقودة أو المهدرة على امتداد مراحل الإنتاج والتخزين والنقل والتوزيع والاستهلاك.
وتكشف هذه المعطيات أن جزءاً من المياه والموارد الطبيعية المستخدمة في إنتاج الغذاء لا يتحول في النهاية إلى تغذية فعلية للمواطنين، بل ينتهي ضمن منتجات تضيع قبل وصولها إلى الأسواق أو يتم التخلص منها بعد اقتنائها.
ويمثل ذلك ضغطاً إضافياً على الموارد الطبيعية في سياق يعرف فيه المغرب تراجعاً في موارده المائية وتوالي سنوات الجفاف، بالتوازي مع اعتماد البلاد على الاستيراد لتغطية جزء من حاجاتها الغذائية ومدخلات الإنتاج.
ولا تقتصر الخسارة على المياه، إذ يؤدي هدر الغذاء إلى كلفة اقتصادية تتحملها الأسر والمنتجون والموزعون، كما يمكن أن يؤثر في وفرة بعض المواد ويزيد هشاشة الأسر محدودة الدخل.
ويترتب عن التخلص من النفايات الغذائية داخل المطارح كذلك تلوث وانبعاثات للغازات الدفيئة، بما يجعل الظاهرة مرتبطة في الوقت نفسه بالأمن الغذائي والمائي والقدرة الشرائية والسياسات البيئية.
ورغم حجم الإشكال، سجل المجلس أن المبادرات التي أطلقها الفاعلون العموميون والخواص ما تزال متفرقة وغير منسقة بما يكفي، في ظل غياب إطار قانوني خاص ورؤية وطنية موحدة وآليات منتظمة لقياس حجم الخسائر وتتبع النتائج.
وأشار التقرير إلى أن تشتت الحكامة بين مؤسسات وقطاعات متعددة يحول دون بناء جواب مندمج يوازي حجم الظاهرة، وهو ما يجعل البلاد تستهلك موارد مهمة لإنتاج أغذية ينتهي جزء منها إلى الفقد أو الهدر، من دون منظومة وطنية قادرة على الوقاية والتقليص وإعادة التوزيع.
واقترح المجلس إدراج مواجهة خسائر وهدر الغذاء ضمن استراتيجية وطنية للتغذية المستدامة، بما يساهم في حماية الموارد الطبيعية وتعزيز السيادة والأمن الغذائيين وترشيد واردات المواد الغذائية ومدخلات الإنتاج.
كما دعا إلى إعداد قانون خاص بمحاربة خسائر وهدر الغذاء، يتضمن منع إتلاف المنتجات غير المبيعة أو التخلص منها متى ظلت صالحة للاستهلاك، مع تسهيل إعادة توزيعها عبر الجمعيات ودور الأيتام وبنوك الغذاء.
وأوصى المجلس بتشجيع جمع وتسويق المنتجات الزراعية المصنفة ضمن الجودة الثانية بدل تركها في الحقول أو التخلص منها بسبب شكلها، إلى جانب توضيح الفرق بين تاريخ انتهاء الصلاحية المرتبط بالسلامة الغذائية وتاريخ الاستهلاك المفضل المرتبط أساساً بالجودة.
ويقترح المجلس أيضاً، عندما تسمح شروط السلامة بذلك، مراجعة أو تمديد مدة صلاحية بعض المنتجات، وإعادة النظر في وضع تواريخ غير ضرورية على مواد لا تشكل خطراً صحياً، تفادياً للتخلص من أغذية ما تزال قابلة للاستهلاك.
ودعا كذلك إلى إحداث آلية للحكامة تجمع الوزارات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ووضع أهداف قابلة للقياس لتقليص الغذاء المفقود والمهدور داخل مختلف مراحل السلسلة.
ومن بين المقترحات التي أوردها المجلس أيضاً إحداث مرصد وطني لخسائر وهدر الغذاء، تكون مهمته تجميع المعطيات وقياس حجم الظاهرة وتتبع تطورها وتقييم أثر السياسات والبرامج الموجهة للحد منها.
وتضع هذه الأرقام السياسات العمومية أمام سؤال مباشر: كيف يمكن مواجهة ندرة الماء وغلاء الغذاء، بينما تُقدّر كمية الطعام التي أهدرتها الأسر المغربية بأكثر من 4.2 ملايين طن خلال سنة 2022، وتُعبأ أكثر من 1.6 مليار متر مكعب من المياه لإنتاج أغذية لا تصل في النهاية إلى الاستهلاك؟
