لم يعد نقاش الأسعار في المغرب يبدأ من رفوف المتاجر ولا ينتهي عند صندوق الأداء.
فقبل أن يصل المنتج إلى المستهلك، يمر عبر سلسلة معقدة من الإنتاج، والتخزين، والنقل، والتوزيع، والوساطة، وهي سلسلة تكشف، في كل مرة، عن سؤال قديم ومتجدد: لماذا تنتقل الزيادات بسرعة إلى المواطن، بينما تتباطأ الانخفاضات أو تتبخر قبل أن تصل إلى القفة؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة بعد المعطيات الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، والتي أظهرت أن الرقم الاستدلالي للأثمان عند الإنتاج لقطاع الصناعات التحويلية، باستثناء تكرير البترول، سجل انخفاضاً قدره 0,3 في المائة خلال شهر ماي 2026، مقارنة مع شهر أبريل من السنة نفسها، منتقلاً من 118,7 إلى 118,4.
قد يبدو الرقم محدوداً في ظاهره، غير أن أهميته تكمن في الفرع الذي قاد هذا الانخفاض.
فالصناعات الغذائية، وهي الحلقة الأكثر ارتباطاً بالمعيش اليومي للمغاربة، سجلت تراجعاً بـ1,1 في المائة، بعدما انتقل رقمها الاستدلالي من 122,1 في أبريل إلى 120,8 في ماي.
هنا يتحول المؤشر من معطى إحصائي إلى سؤال اجتماعي. فالغذاء ليس قطاعاً عادياً داخل اقتصاد أنهكته موجات الغلاء، بل هو المجال الذي يختبر فيه المواطن، يومياً، معنى القدرة الشرائية.
لذلك، حين تتراجع أثمان الإنتاج في الصناعات الغذائية، يصبح السؤال مشروعاً: هل سينعكس هذا التراجع على أسعار البيع، أم سيبقى محصوراً في بداية السلسلة؟
الأرقام تؤكد أن أثمان الإنتاج الغذائي انخفضت. لكن السوق مطالبة بأن تقدم الجواب الأهم: ماذا يحدث بعد المصنع؟ هل يصل أثر الانخفاض إلى تجار الجملة؟ هل ينعكس على أسعار التقسيط؟ وهل يشعر به المواطن في المواد الأساسية، أم تضيع قيمته بين النقل، والتخزين، والوساطة، وهوامش الربح؟
هذه هي المفارقة التي تمنح هذا المؤشر دلالته السياسية والاجتماعية.
فعندما ترتفع كلفة أو أثمان الإنتاج، تظهر الزيادة بسرعة في الأسواق والمتاجر.
أما حين تنخفض الأثمان عند بداية السلسلة، فإن الطريق نحو المستهلك يصبح أطول وأكثر غموضاً، وكأن السوق تتقن نقل الارتفاعات، لكنها تتردد في تمرير الانخفاضات.
المواطن لا يعيش داخل المذكرات الإحصائية، ولا يقيس وضعه المعيشي بمنحنيات المؤسسات.
المواطن يقيس الاقتصاد من ثمن الخبز، والزيت، والحليب، والخضر، واللحوم، والمواد الأساسية.
وحين تخبره الأرقام بأن أثمان إنتاج الغذاء تراجعت، يصبح من حقه أن يسأل عن الأثر، لا عن المؤشر فقط.
في المقابل، لم تكن حركة الأسعار موحدة داخل باقي الفروع الصناعية.
فقد سجلت الصناعة المعدنية ارتفاعاً بـ0,3 في المائة، كما ارتفعت أسعار صنع منتجات أخرى غير معدنية بـ0,2 في المائة، وصناعة الملابس بـ0,1 في المائة.
وهي زيادات محدودة، لكنها توضح أن الانخفاض العام في الصناعات التحويلية لم يكن نتيجة تراجع شامل، بل جاء أساساً مدفوعاً بانخفاض أثمان الإنتاج داخل الصناعات الغذائية.
وتبقى الدقة ضرورية في قراءة هذه المعطيات. فالصناعات الاستخراجية لم تسجل ارتفاعاً خلال شهر ماي 2026، بل عرفت استقراراً، شأنها في ذلك شأن إنتاج وتوزيع الكهرباء، وإنتاج وتوزيع الماء.
وهذا يعني أن مركز الخبر يوجد داخل الصناعة التحويلية، وبالضبط داخل الفرع الغذائي، لا في قطاعات الطاقة أو الماء أو الاستخراج.
لكن أهمية الرقم لا تكمن فقط في ما يكشفه، بل في ما يفرضه من مساءلة.
هل تتوفر السوق المغربية على آليات فعالة لضمان انتقال انخفاضات الإنتاج إلى أسعار البيع؟ وهل تخضع هوامش الربح للمراقبة الكافية؟ وهل يستفيد المستهلك من التراجع حين يحدث، بالسرعة نفسها التي يتحمل بها كلفة الارتفاع حين يقع؟
الاختبار هنا ليس إحصائياً فقط، إنه اختبار لحكامة السوق، وشفافية سلاسل التوزيع، وقدرة المؤسسات على حماية القدرة الشرائية من الاختلالات التي قد تقع بين المنتج والمستهلك. فالأرقام الرسمية قد تعلن تحسناً في المؤشرات، لكن التحسن لا يكتسب قيمته الاجتماعية إلا حين يغادر الورق ويصل إلى المائدة.
لذلك، لا ينبغي أن يمر انخفاض أثمان الإنتاج في الصناعات الغذائية خلال ماي 2026 كخبر تقني عابر.
إنه مدخل لطرح سؤال أوسع حول بنية الأسعار في المغرب، وحول قدرة السوق على عكس الانخفاضات كما تعكس الزيادات. فالمنافسة الحقيقية لا تظهر فقط عند ارتفاع الأسعار، بل تظهر أيضاً عند اختبار الانخفاض: من يمرره إلى المواطن، ومن يحتفظ به داخل السلسلة؟
الأرقام تقول إن هناك تراجعاً غير أن النقاش العمومي مطالب بأن يذهب أبعد من الرقم، نحو تتبع أثره الفعلي: هل وصل إلى الجملة؟ هل ظهر في التقسيط؟ هل انعكس على المواد الأساسية؟ أم بقي مجرد انخفاض داخل مصانع الأغذية، قبل أن تفقد قيمته بين النقل والتخزين والوساطة وهوامش الربح؟
لا تكفي طمأنة المواطن بأن المؤشرات تتحسن. فالتحسن الذي لا يصل إلى القفة لا يصنع أثراً اجتماعياً.
وإذا كانت أثمان إنتاج الغذاء قد تراجعت فعلاً، فإن السؤال لم يعد هل انخفض المؤشر، بل من استفاد من انخفاضه قبل أن يصل إلى جيوب المغاربة؟
i
