لم يعد دعم الكسابة الصغار والمتوسطين في إقليم بولمان مجرد ملف اجتماعي محدود، بل تحوّل إلى سؤال برلماني مباشر حول حكامة تنزيل الدعم العمومي، ومعايير توزيع الإعانات، وحدود الإنصاف المجالي في قطاع حيوي يرتبط بمعيش آلاف الأسر وبإعادة تشكيل القطيع الوطني من الماشية.
فقد وجّه رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، سؤالاً كتابياً إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، حول تأخر صرف إعانات مربي الأغنام والماعز من الكسابة الصغار والمتوسطين بإقليم بولمان، في إطار الدعم العمومي المخصص لإعادة تشكيل القطيع الوطني.
السؤال البرلماني، المؤرخ في 30 يونيو 2026، جاء في سياق تتبع مآلات وكيفيات صرف الدعم المالي المباشر الموجه للكسابة، برسم الموسمين الحالي والسابق، وفق الغاية المعلنة المرتبطة بإعادة بناء القطيع الوطني من الماشية. غير أن المعطيات التي أوردها حموني تكشف أن عدداً من كسابة إقليم بولمان لم يتوصلوا بعد بمبالغ الدعم والإعانات المتعلقة بسنتين متتاليتين، بينما توصل كسابة في أقاليم أخرى، حسب ما بلغ النائب البرلماني، على الأقل بإعانة السنة الماضية.
هذه المفارقة تضع الملف خارج خانة التأخر الإداري العادي. فحين يصل الدعم إلى أقاليم ويتوقف أو يتأخر في أقاليم أخرى، فإن السؤال لا يعود مرتبطاً فقط بآجال الصرف، بل بمنهجية التدبير، ومعايير الاستفادة، ومدى احترام مبدأ العدالة والإنصاف في توزيع المال العمومي، خاصة حين يتعلق الأمر بفئات صغيرة ومتوسطة لا تملك هامشاً كبيراً لتحمل كلفة الانتظار.
واستحضر حموني، في سؤاله، الأدوار التي تضطلع بها الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز، المعروفة اختصاراً بـ ANOC، في إطار عقود برامج وشراكات ذات طبيعة تدبيرية ومالية ومهنية مع وزارة الفلاحة. وتشمل هذه الأدوار، وفق مضمون السؤال، الإسهام في توزيع الإعانات والدعم المحوري على مربي الأغنام والماعز، إلى جانب مهام مرتبطة بتنظيم القطاع وتأطير المنتجين.
ولم يتعامل حموني مع الجمعية باعتبارها فاعلاً هامشياً في القطاع، بل بوصفها جزءاً من شبكة واسعة تضم آلاف المنخرطين الذين يربون ملايين رؤوس الأغنام والماعز. كما ذكّر بأن مهامها تمتد إلى تطوير سلسلة اللحوم الحمراء، والمحافظة على السلالات، وتحسين النسل، وتأطير المنتجين، وإحداث الأسواق المؤقتة لبيع الأضاحي، وترقيم رؤوس الأغنام والماعز.
غير أن اتساع هذه الأدوار يجعل التأخر المسجل في بولمان أكثر حساسية. فكلما اتسعت المهام ذات الصلة بالدعم والتأطير والتدبير، تعاظمت الحاجة إلى الوضوح والمساءلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدعم عمومي يفترض أن يصل إلى الفئات المستهدفة في الوقت المناسب، ووفق معايير معلنة ومنصفة.
واعتبر رئيس فريق التقدم والاشتراكية أن هذا الوضع “يثير أكثر من سؤال” حول أسباب التفاوت، وحول منهجية عمل الجمعية، ومعاييرها المعتمدة، وإمكانيتها الفعلية للاضطلاع بهذه المهمة ذات الطابع العمومي. كما ربط الملف صراحة بمبدأ العدالة والإنصاف في توزيع الدعم، ولا سيما بالنسبة للكسابة الصغار والمتوسطين.
وتكمن قوة السؤال في أنه لا يعزل حالة بولمان عن السياق الوطني العام. فإعادة تشكيل القطيع الوطني ليست عملية تقنية أو رقمية فقط، بل ورش له أثر مباشر على أسعار اللحوم الحمراء، واستقرار العرض، وقدرة الكسابة على مواصلة نشاطهم، خصوصاً في المناطق التي تشكل فيها تربية الماشية جزءاً أساسياً من البنية الاقتصادية والاجتماعية المحلية.
في إقليم بولمان، لا يعني تأخر الدعم مجرد تأخر تحويل مالي. إنه يعني، بالنسبة لعدد من الكسابة، تأجيل شراء الأعلاف، وتعثر الحفاظ على القطيع، وتراجع القدرة على مواجهة كلفة التربية، وربما الاضطرار إلى الاستدانة في انتظار إعانات كان يفترض أن تصل في وقتها. لذلك يصبح السؤال عن الدعم سؤالاً عن العدالة الترابية، وليس فقط عن مسطرة إدارية.
وطالب حموني وزير الفلاحة بالكشف عن التدابير التي ستتخذها الوزارة على وجه الاستعجال، من أجل ضمان توصل الكسابة الصغار والمتوسطين في إقليم بولمان بمستحقاتهم، برسم الدعم العمومي الموجه لإعادة تشكيل القطيع الوطني من الماشية.
بهذا المعنى، يضع سؤال حموني وزارة الفلاحة أمام اختبار واضح: هل تملك الوزارة آليات فعلية لتتبع مآل الدعم بعد تفويض جزء من تنزيله إلى فاعلين مهنيين، أم أن مسالك الصرف ما زالت تسمح بتفاوتات تجعل بعض الكسابة ينتظرون سنتين، بينما يتوصل آخرون بإعاناتهم داخل آجال أقصر؟
القضية لا تتعلق فقط بجمعية مهنية أو بإقليم بعينه. إنها تمس جوهر الحكامة في تدبير الدعم العمومي، وحدود الشفافية في تنزيل البرامج القطاعية، وقدرة الدولة على ضمان أن يصل المال المخصص باسم الفئات الهشة إلى الفئات الهشة فعلاً، لا أن يضيع أثره بين تعدد المتدخلين، وبطء المساطر، وغموض المعايير.
وبين خطاب رسمي يتحدث عن إعادة تشكيل القطيع الوطني، وواقع محلي يكشف تأخر مستحقات كسابة بولمان، تبرز الحاجة إلى جواب حكومي واضح لا يكتفي بتفسير التأخر، بل يحدد المسؤوليات، والآجال، والتدابير العملية الكفيلة بإعادة الثقة إلى الكسابة الصغار والمتوسطين في عدالة الدعم العمومي.
