لم يحتج عبد اللطيف وهبي هذه المرة إلى خصم سياسي مغربي حتى تتحول تصريحاته إلى أزمة.
بضعة أيام من الكلام الموزع بين قناة عربية ووكالة أنباء إسبانية كانت كافية لينتقل وزير العدل من الهجرة إلى سبتة ومليلية، ومن القاصرين إلى تسليم المطلوبين، قبل أن تنتهي تصريحاته مادةً لأسئلة داخل الكونغرس الإسباني.
الحزب الشعبي الإسباني سجل، الخميس 13 غشت 2026، حزمة أسئلة برلمانية موجهة إلى وزير العدل فيليكس بولانيوس بشأن طبيعة اتصالاته مع وهبي، كما انتقد عدم استدعاء سفيرة المغرب في مدريد، كريمة بنيعيش، إلى الخارجية لتقديم إيضاحات.
بمعنى أكثر مباشرة: كلام وزير مغربي في مقابلات إعلامية أصبح ملفاً رسمياً فوق طاولة البرلمان الإسباني.
القصة بدأت عندما قال وهبي عبر قناة «الشرق» إن أوروبا تتعامل بـ«انتقائية» مع الهجرة، وإن المغرب يرفض أن يكون «حارساً للحدود الأوروبية»، قبل أن يرفع السقف أكثر في حديث لوكالة «EFE»، منتقداً إسبانيا لأنها تطلب من المغرب منع المهاجرين من الخروج ثم «تقبلهم» وتسوي أوضاعهم عند الوصول، متسائلاً: إذا كانت ستستقبلهم، فلماذا لا «نفتح إذن الحدود»؟
المشكلة أن قوة العبارة لا تعفي وزير العدل من دقة المعلومة.
فإذا كان المقصود برنامج التسوية الاستثنائية الإسباني لسنة 2026، فإن مجرد الوصول إلى إسبانيا لا يجعل صاحبه مؤهلاً للاستفادة منه.
البرنامج اشترط الوجود في البلاد قبل فاتح يناير 2026، وإثبات إقامة متواصلة لا تقل عن خمسة أشهر، إلى جانب شروط أخرى.
وبالتالي، فإن من عبروا إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز لا يدخلون تلقائياً ضمن هذه التسوية، وهو ما يجعل اختزال الملف في معادلة «يصلون فتسوّى أوضاعهم» أبسط بكثير من الواقع القانوني الذي يفترض أن يكون وزير العدل أكثر الناس انتباهاً إليه.
الأمر نفسه تكرر مع القاصرين.
وهبي قال لـ«EFE» إن المغرب يريد استعادة «جميع أطفالنا»، لكن الاتفاق المغربي الإسباني لسنة 2007 لا ينظم عودة جماعية آلية، بل يجعل المصلحة الفضلى للقاصر أساساً، ويربط العودة بلم الشمل العائلي أو توفير مؤسسة رعاية مناسبة، مع اتفاق الطرفين على الحالات والأعداد المعنية.
وعلى مستوى قانون الاتحاد الأوروبي أيضاً، تفرض القواعد القضائية تقييماً فردياً لوضع كل قاصر قبل الإعادة.
أي أن عودة القاصرين ممكنة، لكن النصوص لا تقول ببساطة: «أعيدوهم جميعاً».
ثم جاء ملف أكثر ثقلاً: اتفاقية تسليم المطلوبين.
وهبي أعلن أن وزارة العدل تبحث إمكانية تعليق تطبيق الاتفاقية مع إسبانيا بسبب حالات قال إن تسليم أشخاص فيها لم ينفذ رغم الاتفاق المسبق.
لكن المادة المنشورة لـ«EFE» لم تعرض تفاصيل هذه الحالات، في الوقت الذي تنص فيه الاتفاقية نفسها على أن الخلافات المرتبطة بتفسيرها أو تطبيقها تحل عبر الطريق الدبلوماسي.
وهبي لم يقل إن المغرب قرر إنهاء الاتفاقية، بل تحدث عن بحث تعليق تطبيقها، وهو فرق قانوني مهم.
لكن السؤال يبقى: لماذا اختيرت وكالة أنباء أجنبية لإعلان أن الوزارة تبحث خطوة بهذا الحجم من دون تقديم الملف الذي يبررها للرأي العام؟
ثم وصل الكلام إلى سبتة ومليلية.
وهبي أعاد عبر «الشرق» طرح وضع المدينتين باعتباره ملفاً قائماً بالنسبة إلى المغرب، وقال إن الرباط تسعى على المدى الطويل إلى حله بالحوار.
الرد الإسباني جاء سريعاً، الخارجية أكدت أن وحدة أراضي إسبانيا ليست موضوعاً للنقاش، ثم قالت وزيرة الدفاع مارغاريتا روبليس من قلب سبتة إن سبتة ومليلية «لا تُمسّان»، وإن أي اعتداء عليهما هو اعتداء على إسبانيا بأكملها.
وهكذا أتاحت تصريحات وهبي للمؤسسات الإسبانية فرصة لإعادة تثبيت موقفها بشأن المدينتين بأعلى نبرة سياسية، قبل أن ينتقل الملف إلى الكونغرس.
وهنا لا يتعلق النقاش بحق المغرب في التمسك بموقفه من سبتة ومليلية، ولا بضرورة أن يتحدث مسؤولوه باللغة التي ترضي مدريد.
السؤال الحقيقي هو: من يختار التوقيت والصياغة عندما يتعلق الأمر بملفات سيادية؟ وما الذي تربحه الرباط عندما تتحول تصريحات عضو في الحكومة إلى مادة تستعملها المعارضة الإسبانية ضد المغرب وضد حكومة بيدرو سانشيز في الوقت نفسه؟
ولوهبي سابقة تجعل هذا السؤال أكثر مشروعية.
قبل انتخابات 2021، اتهم التجمع الوطني للأحرار بـ«إغراق المشهد السياسي بالمال»، ثم دخل حزبه بعد أسابيع حكومة يقودها عزيز أخنوش، وأصبح هو نفسه وزيراً للعدل.
التصريح الناري قد يصنع عنواناً، لكن السياسة لا تتحرك دائماً بالسرعة نفسها التي يتحرك بها الميكروفون.
والفارق اليوم أن الكلام لم يعد يتعلق بخصم انتخابي مغربي، بل بالهجرة والقاصرين والسيادة والتعاون القضائي مع إسبانيا.
عندما تحدث وهبي عن تسوية المهاجرين، بدت النصوص أكثر تعقيداً من عبارته.
وعندما طالب بإعادة «جميع» القاصرين، وضعت الاتفاقيات شروطاً وضمانات لا تسمح بهذا الاختزال.
وعندما لوح بتعليق تطبيق اتفاقية التسليم، ظهرت القنوات الدبلوماسية في صلب النص نفسه.
وعندما أعاد طرح سبتة ومليلية، جاءت النتيجة ردوداً إسبانية أكثر تشدداً وأسئلة في الكونغرس.
هذه ليست مشكلة كثرة كلام فقط المشكلة أن وزن الصفة التي يتحدث بها وهبي أكبر من هامش الارتجال المتاح لأي سياسي عادي.
وزير العدل يستطيع أن يصنع عنواناً بجملة واحدة، لكن الدولة قد تحتاج بعدها إلى الخارجية والقنوات الأمنية والقضائية لمعالجة أثر تلك الجملة.
ولهذا يبقى السؤال الأكثر مباشرة:
عندما يتحدث عبد اللطيف وهبي إلى الإعلام الأجنبي في ملفات السيادة والهجرة والأمن والتعاون القضائي، هل تكون الدولة قد حسبت كلفة كل كلمة قبل خروجها، أم تكتشف كلفة الكلام بعدما يصبح عنواناً في مدريد؟
