بقلم: الباز عبدالإله
أعاد تقرير جديد صادر عن المنتدى العالمي للشفافية وتبادل المعلومات لأغراض ضريبية، التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ملف الأصول والحسابات المالية الموجودة خارج الحدود إلى واجهة النقاش، من زاوية تهم المغرب مباشرة: الانتقال التدريجي نحو التبادل الآلي للمعلومات المالية.
التقرير، المنشور أمس 30 يونيو 2026 تحت عنوان “Tax Transparency in Africa 2026”، لا يتعامل مع الشفافية الضريبية باعتبارها ملفاً تقنياً بين الإدارات فقط، بل يقدمها كأحد مداخل تعبئة الموارد العمومية، وتقليص مساحات الإخفاء المالي، وتعزيز قدرة الدول على تتبع الأصول والدخول ذات الامتداد الخارجي.
المعطى الأبرز بالنسبة إلى المغرب يتمثل في إدراجه ضمن ست دول إفريقية، إلى جانب الرأس الأخضر، والكاميرون، والسنغال، وتونس، وزامبيا، ملتزمة بالانتقال إلى التبادل الآلي للمعلومات المالية خلال السنوات المقبلة.
ولا يعني ذلك أن المغرب شرع فعلياً في تبادل المعطيات بشكل تلقائي، بل يفيد بأنه يوجد داخل مسار دولي يتطلب استكمال شروط قانونية وتقنية ومؤسساتية دقيقة.
أهمية هذا التحول تكمن في أن التبادل الآلي للمعلومات المالية لا يشتغل داخل القارة الإفريقية فقط.
فالتقرير إفريقي من حيث موضوعه ونطاقه التحليلي، غير أن الآلية التي يتحدث عنها جزء من معيار دولي أوسع، يسمح بتبادل سنوي تلقائي لمعلومات الحسابات المالية بين الإدارات الضريبية للدول والاختصاصات المشاركة.
لذلك، فالأمر يتعلق بدخول تدريجي في شبكة عالمية، لا بتعاون إفريقي محدود.
ويكشف التقرير أن الدول الإفريقية حددت، خلال سنة 2025، ما مجموعه 417 مليون يورو من العائدات الضريبية الإضافية بفضل تبادل المعلومات والبرامج المرتبطة بالتصريح الطوعي.
كما بلغ المجموع التراكمي للعائدات الإضافية المحددة منذ سنة 2009 حوالي 4.6 مليارات يورو. وهذه الأرقام توضح أن الشفافية الضريبية لم تعد مجرد شعار إصلاحي، بل أصبحت أداة مالية تستعملها الدول لتعزيز الامتثال وتوسيع قاعدة الموارد.
ويضيف التقرير أن ثماني دول إفريقية كانت، إلى نهاية سنة 2025، قد بدأت بالفعل التبادل الآلي للمعلومات المالية، وهي غانا، وكينيا، وموريشيوس، ونيجيريا، ورواندا، والسيشل، وجنوب إفريقيا، وأوغندا.
وقد تلقت إداراتها الضريبية معلومات حول نحو ثلاثة ملايين حساب مالي، تغطي أصولاً بقيمة 259 مليار يورو موجودة في الخارج.
وهذا المعطى يكشف حجم التحول الذي تعرفه العلاقة بين المال والحدود والضرائب.
بالنسبة إلى المغرب، يفتح هذا المسار سؤالاً حساساً لكنه مشروع: ماذا سيعني التبادل الآلي للمعلومات المالية بالنسبة إلى الحسابات البنكية، والأصول المالية، والاستثمارات، وبعض عقود التأمين على الحياة، والحسابات المرتبطة بكيانات قد يسيطر عليها ملزمون ضريبياً؟ السؤال هنا لا يحمل اتهاماً، ولا يفترض وجود مخالفة مسبقة، بل يطرح أثر التحول الدولي على علاقة الملزمين بالإدارة الضريبية وعلى مفهوم التصريح والامتثال.
فالشفافية الضريبية لا تستهدف من يملك حساباً قانونياً ومصرحاً به في الخارج. وجود حساب أو أصل مالي خارج الحدود ليس مخالفة في حد ذاته.
الإشكال يبدأ حين تتحول الحسابات أو الأصول إلى وسيلة لإخفاء الدخل، أو عدم التصريح، أو فصل الثروة عن الالتزامات الضريبية في بلد الإقامة الجبائية.
لذلك، فإن النقاش المهني يقتضي التمييز بين الملكية القانونية للأصول وبين عدم التصريح أو التهرب الضريبي.
هذا التمييز مهم في السياق المغربي، لأن الملف قد يلامس فئات متعددة: مقيمين ضريبياً في المغرب يملكون حسابات أو استثمارات في الخارج، ومقاولات لها امتدادات دولية، وأشخاصاً يتحركون بين أكثر من بلد، ومغاربة العالم الذين تختلف وضعياتهم حسب الإقامة الضريبية والقوانين المطبقة عليهم. لذلك، فإن أي قراءة مسؤولة يجب أن تتجنب الخلط بين الجالية المغربية بالخارج وبين الملزمين المقيمين ضريبياً في المغرب.
يقوم التبادل الآلي للمعلومات المالية على مبدأ واضح: الدولة أو الاختصاص الذي توجد فيه المؤسسة المالية يرسل، وفق معيار موحد، معطيات محددة إلى الدولة التي يقيم فيها صاحب الحساب ضريبياً.
وتشمل هذه المعطيات، في العادة، معلومات حول الحسابات المالية، والأرصدة، والدخل المالي، وبعض المنتجات الاستثمارية. والغاية هي تمكين الإدارة الضريبية من مطابقة التصريحات والتحقق منها، لا إصدار أحكام مسبقة على أصحاب الحسابات.
غير أن هذا التحول يطرح، في المقابل، أسئلة مؤسساتية لا تقل أهمية.
فالتبادل الآلي لا يحتاج فقط إلى التزام سياسي، بل إلى إطار قانوني واضح، وحماية صارمة للمعطيات الشخصية، وأنظمة معلومات مؤمنة، وقدرة على تحليل البيانات، وضمانات للملزمين، ومساطر للتصحيح والطعن.
فالشفافية، إذا لم ترافقها ضمانات كافية، قد تتحول من أداة للعدالة الضريبية إلى مصدر قلق مشروع حول سرية المعطيات وكيفية استعمالها.
من هنا، فإن دخول المغرب هذا المسار لا ينبغي أن يقرأ فقط من زاوية مكافحة التهرب الضريبي، بل أيضاً من زاوية تحديث الإدارة الضريبية وبناء الثقة.
فالملزم يحتاج إلى معرفة واضحة بما يجب التصريح به، وبكيفية تسوية وضعيته عند الاقتضاء، وبحقوقه في حالة وجود خطأ أو تضارب في المعطيات، وبالفرق بين تبادل المعلومات والتجريم التلقائي. وضوح القواعد جزء أساسي من نجاح أي إصلاح ضريبي.
كما يطرح الملف سؤال العدالة الجبائية فالمواطن الذي يؤدي ضرائبه داخل المغرب من دخله الظاهر ينتظر أن تكون القواعد نفسها مطبقة على من يملك دخلاً أو أصولاً خارج الحدود.
وكلما اتسعت قدرة الإدارة على تتبع التدفقات المالية العابرة للحدود، أصبح النقاش حول الإنصاف الضريبي أكثر جدية: هل يتحمل الجميع العبء نفسه؟ وهل تملك الدولة الأدوات الكافية لمنع تحويل الحدود إلى وسيلة للإفلات من المساهمة؟
ومع ذلك، يظل الحذر ضرورياً. لا يمكن تحويل تقرير OECD إلى حملة اتهام جماعي، ولا إلى خطاب شعبوي ضد من يملك نشاطاً دولياً مشروعاً.
فالاقتصاد الحديث يقوم على حركة الأموال والاستثمارات، وكثير من الحسابات الخارجية لها أسباب قانونية ومهنية وعائلية.
لذلك، فإن قوة الموضوع لا توجد في الاتهام، بل في السؤال المؤسساتي: كيف سيؤطر المغرب مرحلة جديدة تجعل الأموال العابرة للحدود أكثر قابلية للرصد الضريبي؟
وقد تفتح هذه المرحلة باباً أمام التصريح الطوعي وتسوية الوضعيات، إذا اختارت السلطات اعتماد مقاربة انتقالية واضحة. فالتجارب الدولية تظهر أن جزءاً من العائدات المرتبطة بالشفافية الضريبية يأتي من تغير سلوك الملزمين قبل الوصول إلى النزاع أو العقوبة.
وحين يعرف صاحب الحساب أن المعطيات قد تصل تلقائياً إلى الإدارة، يصبح التصريح الصحيح خياراً أكثر أماناً من انتظار المطابقة أو الفحص.
تقرير OECD يضع المغرب، بهذا المعنى، أمام امتحان مزدوج. الأول تقني وقانوني، ويتعلق بمدى جاهزية النصوص والأنظمة والضمانات اللازمة للتبادل الآلي.
والثاني سياسي واجتماعي، ويرتبط بقدرة الدولة على تقديم هذا التحول كجزء من عدالة ضريبية أوسع، لا كإجراء معزول يستهدف فئات بعينها.
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بحسابات بنكية في الخارج. يتعلق الأمر بعلاقة الدولة بالثروة، وبمدى قدرة النظام الضريبي على مواكبة عالم لم تعد فيه الأموال تقف عند الحدود.
كما يتعلق بثقة المواطن في أن الشفافية لا تطبق بشكل انتقائي، وأن حماية المعطيات لا تقل أهمية عن مكافحة التهرب، وأن الامتثال يجب أن يكون واضحاً وممكناً وعادلاً.
المغرب اليوم ليس خارج هذا التحول الدولي فالتقرير يضعه ضمن الدول التي تتجه إلى التبادل الآلي للمعلومات المالية، وهذا وحده كاف لفتح نقاش عمومي هادئ حول ما ينتظر الملزمين، وما تحتاجه الإدارة، وما يجب أن يرافق العملية من حماية قانونية وتواصل مؤسساتي.
الرسالة الأساسية واضحة: زمن الحسابات المالية المعزولة عن التعاون الضريبي الدولي يضيق عالمياً.
وحين يقترب المغرب من هذه المرحلة، فإنه لا يدخل فقط ملفاً تقنياً بين إدارات الضرائب، بل يدخل سؤالاً أكبر حول الشفافية، والعدالة الجبائية، وحماية المعطيات، وثقة المواطن في أن قواعد المال والضرائب تطبق بوضوح وعلى الجميع.
