بقلم: أستاذ حسن حلحول
محامي بهيئة الرباط
الجزء الثالث
حتمية المجهول ومثلث المعرفة (المجهول محرك وليس حاجزا وجدار) أن نظرية المعرفة التقليدية.
عادةً ما تنظر للمجهول كعقبة، لكنني أراه حتمية ناتجة عن الاحتكاك الطاقي، لأن المجهول عندي ليس فراغاً نأخذ على سبيل المثال الثقب الأسود في الفضاء تكون قوة الجاذبية فيه قوية حسب الفيزيائيين هنا يكمن سر هذا المجهول الذي يبدو فراغا ، بل هو إمكانية تحقيق به ما هو معلوم، فما هو سابق المعلوم ولا هو لاحق عنه، وإنما العلاقة بينهما علاقة محايثة دائرية ، المعلوم المطلق موجود بذاته والمجهول المطلق معلوم بواجب الوجود، لأنه علة وجوده.
إن المجهول هو نتيجة طبيعية للتفاعل بين العقل، المادة، اللغة. طالما أن هذه العناصر الثلاثة في حالة حركة مستمرة تفاعلية، فإنهادائماً تنتج مجهولاً جديداً في كل مرة تصطدم فيها ببعضها البعض.
تبرز من خلالها الطفرة المعرفية ،ونسوق مثالا يتعلق بترجمة نص من نصوص المعرفية من لغة إلى أخرى، فاللغة الناقلة منها تختلف مع اللغة المنقول إليها أو المستقبلة في المفاهيم والمعنى والنطق، قد يكون في لغة الأصل المفهوم معلوماً لكنه ساكن عند الانتقال الى اللغة المستقبلة يصطدم المفهوم ببيئة لغوية ومادية مختلفة بفضل الاحتكاك، والنتيجة يولد مجهول جديد أثناء محاولة التوفيق بين المصطلحات او يمكن ان نسميه تدفق المعاني، وعندما تحل هذه العقدة، تحدث الطفرة يتم الانتقال من المجهول الذي يصير بمثابة جِسر؛ فلا ننقل المعلومة كما هي، بل نعيد اختراعها في اللغة الجديدة. هذا يثبت أن المجهول هو نتيجة حتمية، لأنه من المستحيل تطابق لغتين أو عقلين أو بيئتين تطابقاً تاماً. هذا الفارق أو عدم التطابق هو المسافة التي نسميها المجهول.
يبدو أن المجهول هنا مزدوج الطبيعة مادي لأنه مرتبط بالمواد المحمولة الموضوع. ومعنوي لأنه يتحول إلى طاقة مفاهمية عبر اللغة، إذن المجهول هو الحالة التي لم تتبلور بعد من اصطدام الفكر بالواقع،بناءً على نموذج العقل و المادة و اللغة،يمكننا القول أن المعرفة ليست الوصول إلى الحقيقة الكاملة، بل هي سلسلة من الطفرات المستمرة. كلما أضأنا مجهولاً، تسبب هذا الضوء في خلق ظلال على مجهول جديد في زاوية أخرى بفضل تغير اللغة وتطور المفاهيم بتطور العلوم .
هذا يفسر لماذا الدائرية لا تعود لنفس النقطة؛ لأن عنصر اللغة في كل دورة تتغير معها المفاهمية، مما يجعل المادة التاريخية تُقرأ بعيون جديدة تماماً، فتتحول من مادة صماء إلى طاقة مفاهيم تعطي قوة وحياة جديدة على مستوى الفكر والواقع.وباعتبارها اللغة ضلع أساسي في هذا المثلث، يطرح السؤال هل ياترى أن اللغة هي التي تخلق المجهول أم أنها هي التي تكتشفه فقط؟ بمعنى، هل المجهول موجود قبل اللغة، أم أن قصور اللغة هو الذي أوجد مساحات المجهول؟
هذا السؤال نجد جوابه في فلسفة مارتن هايدجر في مؤلفه (مدخل الى الميتافيزيقا)وكارل بوبر في مؤلفه (منطق البحث العلمي) إذا ما قمنا بالتوفيق والتقريب بينهما من باب المقاربة المعرفية ؟
هذه المقاربة في غاية الاهمية اذ تجمع بين قطبين متناقضين ظاهرياً، لكنهما يلتقيان تماماً عند فجوة المجهول التي نتحدث عنها. وهي المنطقة التي تلتقي وجودية هايدغر بالعقلانية النقدية بوبرية.
التوفيق بينهما يكمن من خلال السؤال هل اللغة تخلق المجهول أم تكتشفه؟ يرى هيدغر اللغة هي وعاء الوجود أي اللغة كخالق للمجهول ،بالنسبة له اللغة ليست مجرد أداة لنقل المعلومات، بل هي المجال الذي يحدث فيه الوجود، المجهول يظهر لأن اللغة تُخفي بقدر ما تُظهر بمعنى تحمل المعلوم والمجهول معا. عندما نستخدم مصطلحاً لغوياً معيناً لتسمية شيء، فنحن نضيء جانباً منه ونحكم على الجوانب الأخرى بالظلمة المجهول.
اللغة هنا هي التي تخلق المجهول؛ لأن حدود لغتي هي حدود عالمي، وما عجزت اللغة عن تسميته يظل مجهولاً موجوداً في العدم ينتظر الطفرة القادمة.
أما كارل بوبر يتحدث عن العالم الثالث عالم النظريات والمفاهيم واللغة ،بالنسبة له المعرفة تنمو عبر اكتشاف الأخطاء. المجهول موجود موضوعياً، واللغة هي الأداة التي تصيغ بها الفرضيات عندما تسقط فرضية عبر التكذيب، ينكشف لنا مجهول جديد لم نكن نراه، اللغة هنا وفق رأي بوبر هي التي تكتشف المجهول عبر الاحتكاك بالواقع. كلما تطورت لغتنا العلمية، استطعنا صياغة أسئلة أعمق، مما يحول المجهول العام إلى مجهول محدد يمكن البحث فيه. خلاصة الاستفادة هي أنه إذا قمنا بدمجها مع المثلث العقل، المادة، اللغة، نصل إلى نتيجة مذهلة اللغة لا تخلق المجهول من العدم، ولا تكتشفه كشيء جاهز، بل هي تفجر المجهول من أجل إدراكه.
مثلا نأخذ من هيدغر فكرة أن تغير المصطلحات يفتح آفاقاً للوجود لم تكن متاحة للعقل القديم.
ومن بوبرنأخذ فكرة أن هذا التغير ليس عشوائياً، بل هو سيرورة حركة حلزونية تتجه دائماً نحو تصحيح المفاهيم عبر الاحتكاك بالمادة.
يستنبط إذن من خلال هذين العملاقين أن المجهول هو المساحة الفاصلة بين ما نستطيع قوله اللغة وما هو موجود فعلاً المادة وكلما حاول العقل جسر هذه المسافة بلغة جديدة، تمدد المجهول إلى مناطق أبعد، أي أنه يبقى حاضرا له القابلية التحول وفاعلية الرجوع الى الحالة الاصلية المجهول، وهذا هو سر نظرية التطور نحو المجهول .
لا أتفق مع قول البوبرية من أن المعرف تنمو عبر اكتشاف الخطأ، لأن الخطأ لا يرق الى مستوى الدفع والرفع بالمعرفة الى مراتب النمو من خلال كشف الخطأ، وصحيح في اعتقادي أن المعرفة تنمو من خلال كشف المجهول لان هذا الاخير يستغرق الخطأ وليس العكس لأنه أعم منه .
هذا نقد الإبستمولوجي يقلب الموازين بين بوبر منهج الخطأ والصواب وبين منهج استغراق المجهول، بذلك نعيد تعريف العلاقة بين الخطأ والمجهول من منظور الشمولية والاحتواء
لأن هذه الفكرة تعتبر المجهول أصلًا والخطأ عرضًا. المجهول هو الأفق الشامل.
عندما تقول إن المجهول يستغرق الخطأ، نعتبر أن الخطأ ليس إلا نقطة صغيرة في محيط المجهول، والخطأ هو معرفة ناقصة أو مشوهة بشيء نعتقد أننا نعرفه. هو متعلق بالمعلوم المزيف.
أما المجهول هو يمثل المساحة البكر التي لم تطأها اللغة أو العقل بعد ، لذلك كشف الخطأ هو عملية تنظيف وتنقية للمسار، بينما كشف المجهول هو عملية توسيع المسار نفسه أفقيا وعموديا، النمو الحقيقي يأتي من الفهم الجديدة للمجهول لا من مجرد تصحيح العثرات القديمة للخطأ، فتكون الطفرة مقابل التصحيح.
في فلسفة بوبر، المعرفة تنمو بمقتضى الحذف نحذف الخطأ لنقترب من الحقيقة، أما الصائب هوان المعرفة تنمو بوقوع طفرات، أي كشف المجهول يُحدث طفرة تبتلع بداخلها كل الأخطاء السابقة وتجعلها غير ذات موضوع.
إن عند اكتشاف مجهولاً جديداً، فإننا لا نصحح خطأً قديماً فحسب، بل تغير المنظومة والأنساق التي أنتجت ذلك الخطأ من الأساس، باعتبار المجهول كقوة دفع ورفع، وهما مصطلحان يحملان دلالة طاقية فيزيائية الدفع هو القوة التي تأتي من احتكاك المادة-العقل-اللغة لتجاوز المجهول.
والرفع هو الارتقاء بالمعرفة من مستوى المادي الملموس إلى مستوى المفاهيمي المجرد، هنا يصبح المجهول هو بمثابة الوقود او المحرك لولا وجود المجهول العظيم ، لما كان للعقل دافع للحركة. الخطأ لوحده لا يكفي كمحرك؛ لأنه سلبي، بينما المجهول إيجابي بكونه يدعو إلى الاكتشاف.
بناء على حتمية المجهول وتجاوز الجدل التاريخي، تصبح المادة التاريخية ليست ساحة لتصحيح الأخطاء، بل هي مصنع لاستخراج مفاهيم مجهولة. نحن لا نقرأ التاريخ لنقول هذا كان خطأ، بل لنكتشف المجهول في طيات تلك الأحداث عبر لغة معاصرة.
المجهول هنا هو الذي يضمن أن المعرفة لن تتوقف أبداً فهي في سيرورة ازلية طالما ان العقل ينتج المفاهيم بكشف المجهول، لأنه كلما اتسعت دائرة المعلوم، اتسع مع المجهول بشكل أكبر،
المعرفة إذن سيرورة حلزونية مدفوعة بطاقة العقل، تستخدم اللغة كأداة اختراق المجهول المطلق، وكل طفرة في المجهول تؤدي بالضرورة إلى تلاشي الأخطاء المستغرقة فيه وتوليد مفاهيم جديدة لم تكن لغتنا السابقة قادرة على حملها.
بناءً على هذا، يمكن القول أن الوعي بالمجهول في ذاته هو أرقى مراتب العلم، لأنه يضع الإنسان في حالة الدهشة الدائمة التي هي أصل كل طاقة معرفية؟
إن المجهول الذي نعتبره مجهولا هو في الحقيقة معلوم ، لأن السر في هذا المعلوم يكمن في المجهوليته، هذه الثلاثية المبنية على العقل والمادة واللغة التي أساسها معرفة المجهول الغائية هو الله.
قد يبدو أن هذا الطرح يمثل انقلاباً إبستمولوجياً مكتمل الأركان، والعلة هي يتم نقل المجهول من خانة العدم أو النقص إلى خانة الوجود الأسمى، وهي نظرية معلومية المجهول والمجهول الوجودي.
إن السر في المجهولية يكمن في أن المجهولية ليست حاجزا وحجاباً يمنعنا من الرؤية، بل هي صفة جوهرية في المعلوم الأسمى، فالمعلوم المطلق (الله) لا يمكن أن يكون معلوماً بالمعنى الإحاطي أي أن نحيط به علماً، لأن ذلك يتنافى مع طبيعته المطلقة ،بالتالي فإن أقصى درجات العلم به هو العلم بمجهوليته بالنسبة لعقولنا المحدودة لقول الله تعالى ” لا يحيطون به علما” أيضا لقوله تعالى ” يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء” ، المقصود بالمجهول هنا هو معلوم من حيث اليقين بوجوده واجب الوجود، ومجهول من حيث الإدراك بكيفيته، أي كيف وجدت علة فاعلة لقوله تعالى ” ليس كمثله شيء وهو السميع العليم “.
في هذا السياق، يتضح أن هذه العناصر الثلاثة العقل ،المادة ،اللغة تشكل النسق من أدوات الإشارة وليست أدوات كشف للمجهول لفظه، بل هي أدوات السجود و الاستسلام الفكري ومعرفي أمام غائية الوجود، المادة: هي التجلي الجمالي الملموس للإبداع الإلهي لقوله تعالى ” صنع الله الذي أتقن كل شيء”
اللغة:هي المحاولة المستمرة لتسمية ما لا يسمى لقوله تعالى ” وعلم آدم الأسماء كلها”.
العقل: هو المحرك الذي يدرك أن العجز عن الإدراك هو إدراك كما يقول بعض المتصوفة “إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار”.
المجهول إذن هو المعلوم المطلق الذي يظل مجهولاً ليحفظ ديمومة الحركة الجوهرية للإنسان. فلو أصبح المجهول الغائي معلوماً بالكامل،بمعنى أن الإنسان يبقى دائما يبحث عن الكمال إلى الأزل وإلا لتوقفت الدائرية، ولتوقفت الطاقة الذاتية، ولانتهى الزمان، المجهولية هي الضمانة الوحيدة لاستمرار الوجود،
من خلال فكرة التي تربط بين مجهولية المعلوم الغائي وبين الثلاثية العقل والمادة واللغة كإطار فكري يفسر المحرك النهائي للطاقة الكونية.
وأسوق مثالا من مهنتي كمحامي ،اللغة كأداة للبحث عن الحقيقة التي قد تظل مجهولة أحياناً، هو تمرين يومي على هذه النظرية؟ حيث نبحث عن معلوم يختبئ دائماً خلف مجهولية النصوص والوقائع ، قطعا أن ممارسة المحاماة كصناعة وفن إبداعي ،يعتمد على الكلمة أي اللغة في البحث عن الحقيقة ،خصوصا وأن الخصومة يكون فيها طرفين متضاربين في المصالح المدعي والمدعى عليه او المشتكي والمشتكى به،ومن ثمة تكون فيها اللغة محوره الأساسي في طلان ادعاء أحد الطرفين، فمن خلال ذلك نبحث عن المجهول المخفي في ثنايا اللغة والواقع ،والوقائع لها دور اساسي لربط اللغة وفن صناعتها للوصول الى المعلوم التائه في عالم مليئ بالحقائق يتشابه فيها المجهول ويتعدد الطريق الوصول اليه ، من خلال الأفكار القبلية والأحداث الطارئة في الواقع، من هنا يتم نقل النظرية من فضاء الميتافيزيقا إلى أرض الممارسة الإجرائية إن صح هذا النقل من مجال معرفي الى مجال اخر اكثر تشابها ، لأننا في المحاماة لا نتعامل مع اللغة كأداة تواصل، بل كأداة تشريح لاستخراج المعلوم التائه للوصول إلى الحقيقة المجهولة ،وذلك باعتبار اللغة أداة هدم وبناء في طلان الادعاء في الخصومة القضائية، تكون اللغة هي المادة التي يبنى منها الادعاء، عندما نتحدث عن بطلان الادعاء، وبالتالي تكون ممارسة عملية ذهنية برهانية تنطلق من نقض لغوي لإظهار أن المعلوم الذي يقدمه الخصم هو في الحقيقة مجهول أو زيف مغلف بالكلمات ، الفن الإبداعي هنا هو قدرة على إيجاد الثغرة المجهولة المخفية في ثنايا نص الخصم أي في ادعاءه، وتحويلها إلى معلوم او الحقيقة يخدم العدالة.
يتبع الجزء الرابع
