دخل المغرب، من حيث لا يبدو الأمر في ظاهره خبراً مغربياً مباشراً، إلى قلب نقاش صناعي حساس داخل بروكسيل، بعد نشر الجمعية الأوروبية لمصنعي السيارات، اليوم 1 يوليوز 2026، موقفها من مشروع قانون التسريع الصناعي الأوروبي، المعروف باسم Industrial Accelerator Act، وهو مشروع يروم حماية القاعدة الصناعية داخل الاتحاد الأوروبي، وتقليص التبعية للخارج في مجالات التكنولوجيا النظيفة والصناعة الخضراء.
الملف لا يتعلق بتفصيل تقني داخل السوق الأوروبية فقط. فالجمعية، التي تمثل كبار مصنعي السيارات في أوروبا، حذرت من خطر إفراغ القاعدة الصناعية الأوروبية من مضمونها، في ظل سوق داخلية متقلصة، ومنافسة دولية شرسة، واضطرابات جيوسياسية متصاعدة، وارتفاع كلفة التصنيع، وضغط تنظيمي متزايد، بينما يضخ المصنعون الأوروبيون مليارات اليورو في الانتقال نحو السيارات الكهربائية.
غير أن الجملة التي تهم المغرب أكثر من غيرها جاءت في توصيات ACEA. فقد دعت الجمعية إلى تضييق النطاق الجغرافي للاستفادة من قواعد “صنع في أوروبا”، ليشمل دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، لكنها شددت، في الوقت نفسه، على ضرورة حماية الاستثمارات القائمة للمصنعين الأوروبيين في دول مختارة، وذكرت بالاسم: تركيا والمغرب.
هنا تبدأ الزاوية المغربية، فالمغرب لم يعد مجرد بلد يستقبل مصانع أجنبية منخفضة الكلفة، بل تحول، خلال السنوات الماضية، إلى جزء من السلسلة الصناعية الأوروبية في قطاع السيارات.
مصانع طنجة والقنيطرة، وشبكات المناولة، ومنظومة التصدير، لم تعد تتحرك خارج الحساب الأوروبي، بل أصبحت مرتبطة عضوياً بمجموعات صناعية أوروبية وبالسوق الأوروبية نفسها.
ما تكشفه وثيقة ACEA ليس امتيازاً جاهزاً للمغرب، بل اعترافاً صامتاً بموقعه داخل سلاسل السيارات الأوروبية.
فأوروبا تريد حماية الصناعة داخل حدودها، لكنها تصطدم باستثمارات أوروبية قائمة خارج هذه الحدود، بنيت في إطار قانوني وتجاري سابق.
والمغرب يوجد اليوم داخل هذه المنطقة الرمادية: ليس عضواً في الاتحاد الأوروبي، لكنه لم يعد خارج الصناعة الأوروبية بالكامل.
السؤال السياسي والاقتصادي هنا واضح: هل سيعامل المغرب مستقبلاً كشريك صناعي قريب من أوروبا، أم كمنصة خارجية قد تتأثر بقواعد جديدة تعيد تعريف ما يستحق صفة “صنع في أوروبا”؟
الرهان كبير. فأي تغيير في قواعد المحتوى المحلي، أو في شروط الاستفادة من التحفيزات الصناعية، أو في تعريف المنتج الأوروبي، قد ينعكس مباشرة على جاذبية المغرب كموقع للإنتاج والتصدير.
فالنموذج الصناعي المغربي بنى جزءاً مهماً من قوته على القرب من أوروبا، واليد العاملة المؤهلة، واللوجستيك، والموانئ، والاتفاقيات التجارية.
غير أن المرحلة الجديدة في بروكسيل تقوم على منطق أكثر صرامة: حماية القاعدة الصناعية الأوروبية من التفكك، وتقليص الاعتماد على الخارج، وربط الدعم والمزايا بسؤال حاسم: أين يصنع المنتج فعلاً؟
لذلك، لا ينبغي قراءة ذكر المغرب في وثيقة ACEA كتحذير سلبي فقط، بل كمؤشر على وزن جديد.
فلو لم يكن المغرب مهماً في منظومة السيارات الأوروبية، لما احتاجت الجمعية إلى ذكره ضمن الدول التي يجب أخذ استثمارات المصنعين الأوروبيين فيها بعين الاعتبار.
غير أن هذا الاعتراف يحمل معه امتحاناً صعباً. فالمغرب مطالب بأن يحافظ على موقعه داخل سلاسل القيمة الأوروبية، لا فقط عبر الكلفة والقرب الجغرافي، بل عبر رفع القيمة المضافة، وتطوير صناعة البطاريات والمكونات الكهربائية، وتقوية البحث والتكوين، حتى لا يبقى مجرد فضاء للتجميع أو المناولة.
مشروع قانون التسريع الصناعي الأوروبي قد لا يستهدف المغرب مباشرة، لكنه يفتح سؤالاً كبيراً حول مستقبل النموذج الصناعي المغربي: هل يكفي أن يكون المغرب قريباً من أوروبا، أم عليه أن يصبح جزءاً أعمق من صناعتها الجديدة؟
في معركة السيارات الكهربائية والصناعة الخضراء، لم يعد الموقع الجغرافي وحده كافياً.
أوروبا تعيد ترتيب بيتها الصناعي، والمغرب حاضر داخل الحساب.
والسؤال الآن: هل سيحافظ على موقعه كذراع صناعية قريبة من أوروبا، أم سيجد نفسه أمام قواعد جديدة تفرض عليه الانتقال من منصة إنتاج إلى شريك صناعي كامل القيمة؟
