بقلم: الباز عبدالإله
«نحن معكم وبجانبكم ونستمع إليكم.. ولن نترككم»؛ بهذه العبارة خاطب عزيز أخنوش متضرري زلزال الحوز خلال لقاء تواصلي بأمزميز، بعدما اشتكى عدد منهم من عدم الاستفادة من الدعم، متعهداً بعقد اجتماع خاص لدراسة الملفات العالقة بحضور رئيس الجماعة ورئيس تنسيقية الضحايا.
لكن بعد قرابة ثلاث سنوات من زلزال 8 شتنبر 2023، لا يتعلق السؤال اليوم بوعد جديد، بل بما جرى تنفيذه فعلاً: لماذا لا يزال مواطنون يطالبون بإعادة النظر في ملفاتهم، رغم مليارات الدراهم المرصودة والحصائل الرسمية المتتالية؟
برنامج إعادة بناء وتأهيل المناطق المتضررة رُصد له غلاف إجمالي قدره 120 مليار درهم على مدى خمس سنوات، يشمل السكن والبنيات التحتية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، دون أن يعني ذلك أن المبلغ كله دخل إلى الصندوق الخاص أو جرى صرفه دفعة واحدة.
أما الصندوق الخاص رقم 126، فقد بلغت موارده المحصلة فعلياً 23.1 مليار درهم إلى نهاية يونيو 2025، مقابل نفقات ملتزم بها بلغت 14.3 مليار درهم، فيما ظل رصيده المتاح آنذاك في حدود 8.8 مليارات درهم.
ويزيد تقرير المجلس الأعلى للحسابات من ثقل السؤال، بعدما أظهر فارقاً لافتاً بين سقف تحملات الصندوق ومستوى النفقات المأمور بصرفها.
فقد سجل المجلس، في تقريره حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، أن سقف تحملات الصندوق ارتفع من 15 مليار درهم إلى نحو 32.32 ملياراً، بينما بلغت النفقات المأمور بصرفها حوالي 8.62 مليارات درهم فقط.
بمعنى آخر، جرى رفع السقف المالي بأكثر من الضعف، بينما ظلت النفقات المأمور بصرفها أدنى حتى من السقف الأصلي المحدد في 15 مليار درهم، وهي مفارقة أدرجها المجلس ضمن ملاحظاته بشأن مدى ملاءمة البرمجة المالية للحسابات الخصوصية مع القدرة الفعلية على التنفيذ.
ولا يعني ذلك أن الفرق بين 32.32 و8.62 مليارات درهم هو مال «اختفى» أو مبلغ كان يجب صرفه كله خلال سنة واحدة، لأن الأمر يتعلق بسقف تحملات واعتمادات مبرمجة لبرامج قد يمتد تنفيذها على سنوات. لكنه يضع سؤال سرعة التنفيذ وجودة البرمجة في قلب النقاش.
وتفيد أحدث حصيلة حكومية منشورة في مارس 2026 بأن أشغال البناء والتأهيل اكتملت في 54 ألفاً و425 مسكناً، فيما تتواصل الأشغال في أكثر من 3 آلاف مسكن، كما تجاوزت المساعدات المالية المباشرة المقدمة للأسر 7.2 مليارات درهم.
لكن هنا تبدأ المشكلة التي لا تجيب عنها أرقام الإسمنت والمساكن.
فعدد المساكن المنجزة لا يكشف عدد المواطنين الذين سقطوا خارج لوائح الاستفادة، ولا عدد الملفات التي رُفضت، ولا الطعون التي قُدمت، ولا نسبة ما قُبل منها، ولا عدد الأسر التي ما تزال تعتبر نفسها متضررة دون أن تحصل على الدعم.
وهنا تتقاسم المسؤولية عدة جهات، من بينها وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ووزارة الداخلية والسلطات الترابية، ووكالة تنمية الأطلس الكبير، وباقي المتدخلين في الإحصاء والتصنيف وإعادة الإعمار.
وبعد ثلاث سنوات تقريباً، لم يعد كافياً إعلان عدد البيوت التي بُنيت. المطلوب أيضاً إعلان عدد الملفات التي رُفضت، وأسباب رفضها، وعدد الطعون التي قدمها المتضررون، وما انتهت إليه، وعدد الحالات التي تمت تسويتها، وعدد الملفات التي ما تزال عالقة.
فإذا كانت موارد الصندوق المحصلة بلغت 23.1 مليار درهم، وإذا كانت المساعدات المباشرة تجاوزت 7.2 مليارات، وإذا أُنجز أكثر من 54 ألف مسكن، وإذا كان سقف تحملات الصندوق وصل إلى 32.32 مليار درهم، فكيف وصلنا إلى غشت 2026 وما يزال متضررون يقفون أمام رئيس الحكومة ليطالبوا بإعادة فتح ملفاتهم؟
هذا هو الرقم الغائب عن كل الحصائل: كم متضرراً ما يزال خارج الاستفادة؟
ويكتسب وعد أخنوش «لن نترككم» بعداً سياسياً إضافياً بالنظر إلى توقيته، إذ جاء يوم 17 غشت، قبل 37 يوماً فقط من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، وفي وقت تستعد فيه الأحزاب لدخول المرحلة الأخيرة من السباق الانتخابي.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً: هل نحن أمام تسوية فعلية لملفات ظلت عالقة قرابة ثلاث سنوات، أم أن اقتراب صناديق الاقتراع أعاد فجأة هذه الملفات إلى واجهة الاهتمام السياسي؟
فالمتضرر الذي ينتظر منذ 2023 لا يحتاج إلى وعد جديد قبل أسابيع من الانتخابات، بل إلى قرار واضح بشأن ملفه: قبولاً أو رفضاً معللاً، وطعناً تُعرف نتيجته، ومساراً إدارياً لا يتركه معلقاً بين المصالح واللجان.
الحصيلة التي يحتاجها الرأي العام اليوم ليست مزيداً من الأرقام الإجمالية، بل كشف حساب واضح: من استفاد؟ من رُفض؟ لماذا رُفض؟ من طعن؟ من أُنصف بعد الطعن؟ ومن ما يزال ينتظر؟
عندها فقط يمكن قياس نجاح ورش إعادة إعمار الحوز، ليس بعدد المليارات المرصودة ولا بعدد البلاغات الصادرة، بل بعدد المتضررين الذين أُغلقت ملفاتهم فعلاً بالإنصاف، وعدد من لا يزالون، بعد قرابة ثلاث سنوات وعلى أبواب الانتخابات، ينتظرون أن تتحول عبارة «لن نترككم» من وعد إلى نتيجة.
