بقلم: الباز عبدالإله
كشفت وثيقة رسمية للأمم المتحدة عن قرار للجنة مناهضة التعذيب انتهى إلى اعتبار المغرب مسؤولاً عن خرق المادة 16 من الاتفاقية، منفردة ومقروءة بالاقتران مع المادتين 12 و13، على خلفية ظروف احتجاز عبد المولى الحفيظي بسجن آيت ملول، مع مطالبة المملكة بجبر الضرر واتخاذ إجراءات تمنع تكرار الانتهاكات.
وعادت القضية إلى الواجهة، اليوم الثلاثاء 18 غشت 2026، بعد نشر منظمة «International Service for Human Rights» تفاصيلها، فيما تظهر الوثيقة الأممية الأصلية أن اللجنة اعتمدت قرارها يوم 24 أبريل الماضي خلال دورتها الرابعة والثمانين، قبل توزيعه رسمياً بتاريخ 28 ماي تحت رقم CAT/C/84/D/1134/2022.
وتعود القضية إلى شكوى قدمها الحفيظي إلى لجنة مناهضة التعذيب في يونيو 2022، تضمنت ادعاءات بشأن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة، إلى جانب انتقادات لظروف احتجازه، فيما رفض المغرب هذه الادعاءات ودفع بعدم استنفاد عدد من سبل الانتصاف الداخلية.
والحفيظي، بحسب الوثيقة الأممية، مغربي الجنسية من مواليد سنة 1985، وكان طالباً جامعياً بمراكش، فيما تقدمه منظمة «International Service for Human Rights» باعتباره مدافعاً صحراوياً عن حقوق الإنسان.
وترتبط قضيته بأحداث شهدها الحرم الجامعي بمراكش في يناير 2016، على خلفية احتجاجات ومواجهات شارك فيها طلبة صحراويون، وأسفرت عن وفاة طالب مغربي.
وأُلقي القبض على الحفيظي في أبريل 2016، قبل أن تصدر غرفة الجنايات الابتدائية بمراكش في 6 يوليوز 2017 حكماً بسجنه عشر سنوات بتهم تتعلق بتنظيم والتحريض على اشتباك استُعمل فيه العنف والسلاح مع سبق الإصرار وأفضى إلى الموت دون نية إحداثه. وأُيد الحكم استئنافياً في أبريل 2018، ثم أمام محكمة النقض في أبريل 2019.
وقدم المغرب أمام اللجنة رواية مغايرة، مؤكداً أن المعني بالأمر استفاد من حقوقه داخل السجن، بما يشمل الغذاء والرعاية الصحية والزيارات العائلية ومواصلة الدراسة، وأن التدابير التأديبية التي اتخذت في حقه تمت وفق القانون. كما أكد أن زنزانة آيت ملول كانت مخصصة لـ40 سجيناً وتستجيب، بحسب موقفه، لشروط الاحتجاز المطلوبة.
غير أن لجنة مناهضة التعذيب فرقت في قرارها بين ادعاءات التعذيب المحددة وبين ظروف الاحتجاز.
فقد اعتبرت أن عدداً من الادعاءات المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة لم يقدم بشأنها ما يكفي من الأدلة لقبولها، كما سجلت عدم إثبات استنفاد المساطر الداخلية في أجزاء من الشكوى.
في المقابل، اعتبرت اللجنة أن المعطيات المتعلقة بظروف الاحتجاز في سجن آيت ملول كانت كافية للنظر فيها من حيث الجوهر، خصوصاً ما يتعلق بإقامة 40 شخصاً في زنزانة واحدة تضم ثلاثة مراحيض، وعدم تقديم السلطات ما يكفي من الأدلة بشأن مساحة الزنزانة أو الولوج الفعلي إلى الماء الصالح للشرب، إضافة إلى غياب النوافذ وما يترتب عنه من نقص في الضوء والهواء الطبيعيين.
وخلصت اللجنة إلى أن الأثر التراكمي لهذه الظروف، مقترناً بطول مدة الاحتجاز، أثر بشكل ملموس في السلامة الجسدية والنفسية للمعني بالأمر، معتبرة أن ظروف احتجازه في آيت ملول، مأخوذة في مجموعها، ترقى إلى معاملة مهينة وتشكل خرقاً للمادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب.
وسجل القرار أيضاً أن المادة 16 من الاتفاقية انتُهكت، منفردة ومقروءة بالاقتران مع المادتين 12 و13، بعدما اعتبرت اللجنة أن السلطات لم تقدم ما يثبت إجراء تحقيق سريع ومحايد بشأن ظروف الاحتجاز والشكايات المرتبطة بها.
وأكدت اللجنة أن مجرد وصول الوقائع إلى علم سلطة تابعة للدولة قد يكون كافياً، في ظروف معينة، لقيام واجب التحقيق، دون اشتراط تقديم شكوى جنائية بصيغة محددة.
وطالبت اللجنة المغرب بمنح الحفيظي جبراً كاملاً للضرر، يشمل تعويضاً عن الأضرار المادية والمعنوية وإجراءات للتأهيل وضمان عدم التكرار، فضلاً عن الامتناع عن أي ضغط أو ترهيب أو أعمال انتقامية قد تمس سلامته الجسدية أو النفسية.
ودعت اللجنة أيضاً إلى اتخاذ إجراءات تحول دون تكرار انتهاكات مماثلة، من بينها إرساء آلية قادرة على إجراء تحقيق محايد في الادعاءات المتعلقة بظروف الاحتجاز، وضمان حق فعلي في تقديم الشكايات بشأنها.
كما دعت السلطات المغربية إلى إبلاغها، داخل أجل 90 يوماً من تاريخ إحالة القرار إليها، بالإجراءات المتخذة لتنفيذه.
ويحمل القرار أهمية خاصة لأنه لا يثبت، خلافاً لما قد يوحي به عنوان القضية، ادعاءات التعذيب الواردة في الشكوى في مجملها، وإنما يحصر النتيجة التي انتهى إليها في ظروف الاحتجاز باعتبارها معاملة مهينة، وعدم ضمان التحقيق الفوري والمحايد بشأنها، وهو التفصيل الذي يجعل قراءة الوثيقة الأصلية ضرورية لفصل ما ادعاه صاحب الشكوى عما ثبت أمام اللجنة الأممية.
