أعاد عبد العلي حامي الدين، الأستاذ الجامعي والقيادي في حزب العدالة والتنمية، النقاش حول المشاركة الانتخابية في المغرب إلى إحدى زواياه الأكثر حساسية، بعدما اعتبر أن المقاطعة، في السياق المغربي، لا تمثل مدخلاً عملياً لتغيير موازين السياسة، بقدر ما قد تتحول إلى خدمة مجانية لفائدة من يستثمرون في المال الانتخابي وشبكات التأثير المحلي.
وجاءت تصريحات حامي الدين خلال مداخلة له في ندوة نظمتها مؤسسة الفقيه التطواني حول السياسة على إيقاع التحولات، حيث شدد على أن التجارب الدولية في الانتقال الديمقراطي تؤكد أن التحول لا يتحقق خارج مسار الانتخابات والتدرج والتراكم، معتبراً أن الانسحاب من العملية الانتخابية لا ينتج بالضرورة تغييراً، بل قد يترك المجال مفتوحاً أمام القوى الأكثر قدرة على تعبئة الأصوات بوسائل غير سياسية.
بهذا المعنى، لم يدافع حامي الدين عن المشاركة الانتخابية باعتبارها موقفاً حزبياً فقط، بل وضع المقاطعة أمام سؤال نتائجها العملية.
فحين يتراجع المواطنون الغاضبون عن التصويت، لا تختفي مظاهر الفساد الانتخابي، ولا تتوقف شبكات النفوذ عن الاشتغال، بل قد يصبح وزنها أكبر داخل خريطة انتخابية ضيقة، تتراجع فيها الكتلة الواعية، وتتسع فيها قابلية التحكم في النتائج عبر المال والوساطة والولاءات المحلية.
وانتقل حامي الدين من نقد المقاطعة إلى مساءلة حصيلة حكومة عزيز أخنوش، معتبراً أنها لم تف بعدد من الالتزامات التي تضمنها برنامجها الحكومي، وأن ملف الفساد ظل غائباً عن أولوياتها السياسية والتشريعية.
وبحسب قراءته، فإن الإشكال لا يتوقف عند ضعف الخطاب الحكومي حول محاربة الفساد، بل يمتد إلى غياب إرادة واضحة لفتح المداخل القانونية والمؤسساتية القادرة على مواجهة هذه الظاهرة.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من كونها تلامس سؤالاً يتجاوز السجال الحزبي المباشر، ويتعلق بحدود الفصل بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية.
فقد اعتبر حامي الدين أن المغرب أصبح، في ظل المرحلة الحالية، أمام ما وصفه بتجمعات للمصالح، حيث تختلط المواقع داخل مؤسسات الدولة بمصالح شخصية، مشيراً في هذا السياق إلى أن رئيس الحكومة دافع، وفق تعبيره، عن مصالحه من داخل البرلمان.
ورغم أن هذا الحكم يبقى موقفاً سياسياً صادراً عن قيادي معارض، فإنه يفتح نقاشاً أوسع حول تضارب المصالح في تدبير الشأن العام، وحول الضمانات التي يفترض أن تحمي القرار العمومي من أي التباس بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، خاصة حين يتعلق الأمر بمسؤولين يجمعون بين موقع سياسي متقدم وحضور اقتصادي وازن.
كما توقف حامي الدين عند انتشار مقولة “كلشي بحال بحال”، معتبراً أنها ساهمت في إضعاف قدرة المواطنين على التمييز بين القوى السياسية الجادة والقوى التي تتحرك بمنطق انتخابي صرف. فالتعميم، في نظره، لا يساعد على إصلاح السياسة، بل قد يعمق أزمة الثقة فيها، لأنه يساوي بين من يشتغل بمنطق المشروع السياسي ومن يتعامل مع الانتخابات باعتبارها مدخلاً للنفوذ أو حماية المصالح.
وتحمل هذه النقطة بعداً مركزياً في قراءة المشهد السياسي المغربي.
فالعزوف لا يولد دائماً من اللامبالاة، بل من شعور متراكم بأن الفوارق بين الفاعلين السياسيين تراجعت، وأن البرامج فقدت قدرتها على الإقناع، وأن المال والوجاهة أصبحا، في حالات كثيرة، أكثر تأثيراً من الأفكار والكفاءة والالتزام الحزبي.
وحذر حامي الدين من الاعتماد على أصحاب المال الذين يدخلون المجال السياسي دون خلفية فكرية أو مشروع مجتمعي واضح، معتبراً أن من يصل إلى البرلمان عبر تزكيات مكلفة أو إنفاق انتخابي كبير، يصعب انتظار دفاعه عن المصلحة العامة.
وهذه الفكرة تضع الإصبع على أحد أعقد اختلالات الحياة السياسية، حين يتحول المقعد الانتخابي من تفويض شعبي إلى استثمار مالي ينتظر صاحبه عائداً سياسياً أو اقتصادياً.
ولا تقف أزمة السياسة، وفق هذا المنظور، عند حدود المقاطعة أو ضعف المشاركة، بل تمتد إلى طبيعة النخب التي تنتجها العملية الانتخابية.
فإذا أصبحت الأحزاب تبحث أساساً عمن يضمن المقعد، بدل من يحمل الفكرة والبرنامج والقدرة على الترافع، فإن الانتخابات تفقد جزءاً كبيراً من وظيفتها الأصلية باعتبارها آلية لإنتاج التمثيلية والمحاسبة.
وتأتي هذه التصريحات في سياق سياسي يتسم بتزايد النقاش حول انتخابات 2026، وحول شروط المنافسة، ودور المال، ومستقبل ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
كما تأتي في لحظة لم يعد فيها سؤال المشاركة مرتبطاً فقط بنسبة التصويت، بل صار سؤالاً سياسياً عميقاً حول معنى الانتخابات نفسها: هل هي مجال لتجديد النخب ومحاسبة المسؤولين، أم محطة لإعادة إنتاج موازين النفوذ القائمة؟
من هذه الزاوية، تبدو مداخلة حامي الدين محاولة لإعادة توجيه النقاش من رفض السياسة إلى مساءلة شروطها.
فهو لا ينفي أسباب الغضب الشعبي ولا يتجاهل أزمة الثقة، لكنه يعتبر أن تحويل هذا الغضب إلى مقاطعة شاملة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، لأن الفراغ الانتخابي لا يملؤه الغاضبون، بل يملؤه غالباً من يملكون الوسائل التنظيمية والمالية لاستثماره.
والواقع أن المغرب لا يحتاج فقط إلى دعوات عامة للمشاركة، بل إلى شروط تجعل هذه المشاركة ذات معنى.
فاستعادة الثقة لا تتحقق بالشعارات، بل بضمان نزاهة المنافسة، وتقوية الرقابة على المال الانتخابي، وفتح الأحزاب أمام الكفاءات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة الاعتبار للبرامج السياسية بدل منطق الأعيان والتزكيات المكلفة.
تكشف تصريحات حامي الدين عن معادلة دقيقة: المقاطعة قد تبدو تعبيراً مشروعاً عن الغضب، لكنها قد تتحول عملياً إلى عامل مساعد لإعادة إنتاج نفس الاختلالات التي يحتج عليها المقاطعون.
أما المشاركة الواعية، حين ترتبط بالمحاسبة والتمييز بين العروض السياسية، فقد تبقى واحدة من الأدوات القليلة المتاحة لمواجهة تغول المال داخل المجال الانتخابي.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل سيصوت المغاربة أم سيقاطعون؟ بل: هل ستوفر الدولة والأحزاب شروط انتخابات تقنع المواطن بأن صوته قادر على إحداث فرق، وأن السياسة لا تزال مجالاً للمشروع والمحاسبة، لا مجرد امتداد للمال والنفوذ؟
