بقلم: الباز عبدالإله
لا تختزل إشكالية الضرائب في المغرب في التهرب وضعف المراقبة، بل تمتد إلى مستوى أكثر تعقيداً يرتبط بثقة المواطنين في النظام الجبائي، ومدى اقتناعهم بعدالة توزيع الأعباء، ووضوح العلاقة بين ما يؤدونه للدولة وما يحصلون عليه مقابل ذلك من خدمات ومنافع عمومية.
هذا ما خلصت إليه دراسة علمية حديثة بعنوان «الجوانب النفسية للضرائب في المغرب»، نشرتها مجلة «Scientific Reports»، التابعة لمجموعة «Springer Nature»، أمس الجمعة 10 يوليوز 2026، في نسخة مبكرة مقبولة للنشر وغير محررة نهائياً، للباحثين محمد المير من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وخالد بوزلمات من جامعة محمد الخامس بالرباط.
وتقارب الدراسة الضريبة بوصفها أكثر من مجرد التزام مالي أو إجراء إداري، إذ تسعى إلى تفكيك التمثلات والمشاعر التي تصاحبها داخل المجتمع، من خلال تحليل الطريقة التي ينظر بها أفراد العينة إلى الضريبة والسياسة الجبائية المعتمدة في المغرب.
وكشفت النتائج عن مفارقة واضحة فمن جهة، ربط المشاركون الضريبة بالمصلحة العامة، واعتبروها آلية ضرورية لتمويل الدولة والمرافق العمومية.
ومن جهة أخرى، عكست الأجوبة شعوراً قوياً بعدم الإنصاف، إلى جانب الإحباط، وضعف الثقة، والإحساس بثقل العبء وتعقيد القواعد الجبائية.
وتوحي هذه المفارقة بأن الإشكال لا يتعلق برفض مبدأ الضريبة في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بمدى اقتناع المواطن بأن القواعد تطبق على الجميع بالشروط نفسها، وأن الأعباء موزعة بصورة متوازنة، وأن الموارد المحصلة تخدم فعلاً المصلحة العامة.
واعتمد الباحثان منهجاً وصفياً نوعياً شمل عينة من 100 شخص، من بينهم 61 امرأة و39 رجلاً، تراوحت أعمارهم بين 20 و62 سنة.
وشكل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و29 سنة نسبة 77 في المائة من العينة، فيما بلغ عدد المشتغلين 43 شخصاً، مقابل 57 شخصاً غير مشتغل.
وطرح الباحثان على المشاركين أربعة أسئلة قصيرة تتعلق بتصورهم للضريبة، وتقييمهم للسياسة الجبائية المغربية، والمشاعر المرتبطة بكل منهما.
وبعد تحليل الأجوبة، جرى تصنيف المضامين المتكررة ضمن مجموعة من الفئات، من بينها المصلحة العامة، والثقة، وعدم الإنصاف، وانعدام الثقة، والتعقيد، والعبء، والإلزام، وعدم الامتثال، والفساد، والإحباط، والمعرفة الضريبية، والمساهمة.
وسجل مفهوم «المصلحة العامة» 105 إشارات داخل الأجوبة التي خضعت للتحليل، بينما ورد الشعور بعدم الإنصاف 99 مرة.
كما ظهر الإحباط 31 مرة، وانعدام الثقة 30 مرة، والإحساس بالعبء 27 مرة، وتعقيد النظام الجبائي 26 مرة، مقابل 18 إشارة فقط إلى الثقة.
ولا تعني هذه الأرقام أن كل إشارة تمثل مشاركاً مستقلاً، إذ كان من الممكن أن تتضمن إجابة الشخص الواحد أكثر من مضمون. غير أنها تقدم مؤشراً واضحاً على أن صورة الضريبة لدى أفراد العينة تجمع بين الاعتراف بوظيفتها العامة والتشكيك في عدالة تطبيقها.
وتسمح نتائج الدراسة بطرح فرضية مفادها أن رفع مستوى الامتثال الضريبي لا يمر فقط عبر المراقبة والعقوبات، بل يتأثر كذلك بمدى فهم المواطن للنظام الجبائي، وثقته في الإدارة، وشعوره بأن القواعد تطبق بصورة متساوية.
فكلما بدا النظام معقداً أو غير متوازن أو غامضاً في طريقة اشتغاله، ازداد احتمال النظر إلى الضريبة باعتبارها عبئاً مفروضاً، بدل اعتبارها مساهمة واعية في تمويل الصالح العام.
ومن زاوية السياسات العمومية، تفتح النتائج نقاشاً أوسع حول حدود الإصلاحات التي تركز على التحصيل والمراقبة، من دون منح الأهمية نفسها لبناء الثقة، وتبسيط القواعد، وتعزيز الإحساس بالإنصاف.
فنجاح الإصلاح الجبائي لا يقاس فقط بحجم الموارد التي تجمعها الخزينة، بل أيضاً بمدى اقتناع المواطنين بأن النظام يعامل الملزمين وفق معايير واضحة، وأن الالتزامات والإعفاءات والامتيازات تستند إلى مبررات قابلة للتفسير والتقييم.
كما تثير الدراسة، بصورة غير مباشرة، سؤال العلاقة بين الضريبة والمصلحة العامة.
فالمواطن الذي يؤدي جزءاً من دخله للدولة ينتظر أن يفهم الغاية من مساهمته، وأن يلمس انعكاسها على السياسات والخدمات العمومية.
وعندما تضعف هذه الصلة في وعيه، قد يتحول الالتزام الضريبي من واجب جماعي إلى علاقة يغلب عليها الشك والإحباط.
وتسمح هذه النتائج أيضاً بطرح ضرورة الاستثمار في الثقة، إلى جانب الاستثمار في المراقبة والتحصيل، من خلال تبسيط المساطر، وشرح كيفية احتساب الضرائب، وتعزيز الشفافية، وتوضيح الصلة بين الموارد المحصلة وتمويل السياسات العمومية.
غير أن قراءة هذه النتائج تقتضي قدراً من الحذر.
فالدراسة استكشافية، وعينتها محدودة في 100 مشارك، كما أن الشباب يشكلون أغلبية واضحة داخلها، وهو ما لا يسمح باعتبارها استطلاعاً وطنياً يمثل جميع المغاربة أو مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية والمجالية.
وقد أقر الباحثان بهذه الحدود، ودعوا إلى إجراء دراسات أوسع تشمل عينات أكبر وأكثر تنوعاً من الناحية الجغرافية والاجتماعية والثقافية، مع اعتماد مناهج مختلطة وأدوات تجريبية ومقابلات نوعية.
كما أن النسخة المنشورة أمس ما تزال نسخة مبكرة مقبولة للنشر وغير محررة نهائياً، ما يقتضي التعامل بحذر مع بعض التفاصيل التحريرية والحسابية إلى حين صدور النسخة النهائية.
ورغم هذه القيود، تكمن أهمية الدراسة في فتح زاوية لا تحظى بما يكفي من الاهتمام داخل النقاش العمومي المغربي، وهي زاوية علم النفس الجبائي.
فالسؤال لم يعد فقط كيف ترفع الدولة مستوى التحصيل، بل كيف تبني نظاماً يقتنع المواطن بعدالته ووضوحه وشرعيته.
ولا تعني نتائج الدراسة أن المغاربة يرفضون أداء الضرائب، كما لا تسمح عينة محدودة بتعميم خلاصاتها على المجتمع كله.
غير أنها تشير إلى أن جزءاً من التوتر المرتبط بالضريبة قد يكون ناتجاً عن شعور بأن العلاقة الجبائية غير متوازنة.
فالمواطن مطالب بالمساهمة، لكنه يريد في المقابل أن يفهم القواعد، وأن يقتنع بأنها تطبق على الجميع بالشروط نفسها، وأن يدرك الغاية من الأموال التي يؤديها.
لذلك، فإن المعركة ضد التهرب لا تبدأ فقط من المراقبة والغرامات والمراجعات الجبائية، بل تبدأ أيضاً من العدالة والوضوح والثقة.
فالنظام الذي ينجح في التحصيل بالإكراه قد يرفع موارده مؤقتاً، أما النظام الذي يقنع المواطن بشرعيته وإنصافه، فيبني امتثالاً أكثر استدامة.
ويبقى السؤال الذي تضعه الدراسة أمام الحكومة والإدارة الجبائية واضحاً: هل يكفي مطالبة المواطنين بأداء الضرائب، أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بجعلهم يقتنعون بأن ما يؤدونه عادل، وأن القواعد تطبق على الجميع، وأن مساهمتهم تصب فعلاً في خدمة المصلحة العامة؟
