بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد اضطراب سوق الأسمدة مجرد أزمة تجارية مرتبطة بتقلب الأسعار أو تعثر النقل، بل تحول إلى ملف استراتيجي يتصل مباشرة بالأمن الغذائي العالمي.
هذا هو المنحى الذي تكشفه خطة عمل جديدة اعتمدها وزراء المالية والتنمية في دول مجموعة السبع، بمشاركة البرازيل والهند وكينيا وكوريا الجنوبية، لمواجهة الصدمات التي تضرب إنتاج الأسمدة وتمويلها ونقلها ووصولها إلى الفلاحين.
الوثيقة، التي نشرتها وزارة الخارجية الفرنسية رسمياً أمس الجمعة 10 يوليوز 2026، جاءت في سياق الضغوط التي خلفتها تطورات الشرق الأوسط على أسواق الطاقة والمدخلات الزراعية وسلاسل الإمداد الدولية.
ولا تقتصر آثار هذه الضغوط على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى قدرة الدول والفلاحين على تأمين حاجاتهم من الأسمدة في الوقت المناسب وبالكلفة الممكنة.
تشخيص مجموعة السبع لا يقوم على احتمال اختفاء الأسمدة من الأسواق، بل على خطر أكثر تعقيداً: أن يظل المنتج متاحاً، بينما تعجز الدول والفئات الأكثر هشاشة عن شرائه أو تمويله أو نقله. فارتفاع الكلفة، وتراجع السيولة، واضطراب الممرات التجارية، وضعف الولوج إلى التمويل، عوامل قد تجعل الأسمدة موجودة نظرياً، لكنها بعيدة عملياً عن متناول صغار الفلاحين والدول المثقلة بفواتير الاستيراد.
لهذا تدعو الخطة إلى حماية الممرات اللوجستيكية الرئيسية، وتسهيل إعادة توجيه شحنات الغذاء والأسمدة عند الضرورة، وضمان استمرارية النقل عبر البحر الأحمر ورأس الرجاء الصالح والقوقاز وآسيا الوسطى.
كما تحث على تفادي القيود العشوائية على الصادرات، لما تسببه من اختلالات إضافية في الأسواق وارتفاعات حادة في الأسعار.
وتقترح الوثيقة توسيع القروض الموسمية والتمويل التجاري والضمانات المالية، حتى تتمكن الدول المستوردة والفلاحون من اقتناء الأسمدة قبل مواسم الزرع، بدل التدخل بعد تفاقم الأزمة. كما تدعو إلى تطوير آليات للشراء الجماعي على المستوى الإقليمي، بهدف خفض كلفة المعاملات وتسريع توجيه المدخلات نحو المناطق الأكثر تضرراً.
غير أن التحول الأهم يظهر في الشق الطويل الأمد من الخطة. فمجموعة السبع لا تريد الاكتفاء بتدبير الصدمات الظرفية، بل تدعو إلى إنشاء قدرات محلية وإقليمية جديدة لإنتاج الأسمدة، بشراكة مع القطاع الخاص، ومؤسسات تمويل التنمية، ووكالات ائتمان الصادرات، والمؤسسات المالية العمومية.
هذا التوجه يفتح الباب أمام إعادة توزيع الاستثمارات والمصانع والتمويلات ومراكز الإنتاج داخل سوق الأسمدة.
وهنا يبرز السؤال المغربي بوضوح: أين المملكة من خريطة دولية جديدة تُرسم حول مورد تملك فيه أكبر احتياطي معروف في العالم؟
الوثيقة تذكر البرازيل والهند وكينيا وكوريا الجنوبية ضمن الدول المشاركة إلى جانب أعضاء مجموعة السبع، لكنها لا تتضمن اسم المغرب.
ولا تسمح المعطيات المتاحة بالحديث عن إقصاء متعمد، لأن الخطة لا تشرح معايير اختيار الدول المدعوة، كما لا تقدم لائحة نهائية بجميع الفاعلين الذين قد يشاركون لاحقاً في التنفيذ.
لكن غياب المغرب عن دائرة إعداد هذه الخطة يظل لافتاً، بالنظر إلى موقعه الاستثنائي داخل سلسلة القيمة الفوسفاطية العالمية.
فبحسب بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية لسنة 2026، بلغ إنتاج المغرب من صخور الفوسفاط نحو 36 مليون طن خلال سنة 2025، ليحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد الصين.
أما احتياطياته فتقدر بنحو 50 مليار طن، من أصل 73 مليار طن على المستوى العالمي.
بمعنى آخر، يحتضن المغرب وحده أكثر من ثلثي الاحتياطي العالمي المعروف من صخور الفوسفاط، في وقت تؤكد فيه الهيئة الأمريكية عدم وجود بديل للفوسفور في الاستخدامات الزراعية.
صحيح أن سوق الأسمدة لا يقتصر على الفوسفاط، إذ يشمل أيضاً الأسمدة الآزوتية والبوتاسية والعضوية.
غير أن الأسمدة الفوسفاطية تظل ركناً أساسياً في الإنتاج الزراعي، لارتباطها المباشر بخصوبة التربة ونمو النباتات ورفع المردودية.
لذلك لا يتعلق الأمر بثروة معدنية عادية، بل بمورد استراتيجي يمس قدرة الدول على إنتاج الغذاء واستقرار سلاسلها الزراعية. وكلما تصاعدت اضطرابات الطاقة والنقل والتجارة، ارتفعت أهمية الدول القادرة على إنتاج الفوسفاط وتحويله إلى أسمدة وتوريده إلى الأسواق بصورة مستقرة.
المغرب، من جهته، لم يبق خارج التحولات الإفريقية في هذا المجال.
فقد راكم المكتب الشريف للفوسفاط، عبر OCP Africa، حضوراً في عدد من دول القارة، من خلال تحليل التربة، وتطوير تركيبات سمادية ملائمة للمحاصيل والبيئات المحلية، وإنجاز تجارب حقلية، ومواكبة الفلاحين، ودعم الولوج إلى المدخلات الزراعية.
غير أن السؤال لم يعد متعلقاً بوجود هذا الحضور الصناعي والتجاري، بل بمدى تحوله إلى نفوذ فعلي داخل المؤسسات التي تحدد قواعد التمويل والاستثمار وتوزيع المشاريع الكبرى.
العالم يناقش اليوم تعبئة مؤسسات التمويل الدولية، ووكالات ائتمان الصادرات، والأموال العمومية والخاصة، لإنشاء قدرات جديدة لإنتاج الأسمدة.
والمفارقة أن المغرب، الذي يملك أكبر احتياطي عالمي من المادة الخام الأساسية في صناعة الأسمدة الفوسفاطية، لا يظهر ضمن النواة السياسية التي صاغت هذا التوجه.
المسألة لا ترتبط فقط بحجم صادرات الفوسفاط أو مبيعات الأسمدة، بل بقدرة المغرب على التأثير في القرارات التي ستحدد مواقع المصانع الجديدة، والجهات التي ستمولها، والشركات التي ستزودها بالخبرة والتكنولوجيا، والدول التي ستستفيد من عقودها وأسواقها.
الثروة تمنح الدولة ورقة تفاوضية قوية، لكنها لا تمنحها النفوذ تلقائياً. فالنفوذ يبنى داخل دوائر القرار، ومن خلال الحضور المبكر في مراحل صياغة السياسات، لا بعد الإعلان عنها.
كما يقاس بالقدرة على تحويل المورد الطبيعي إلى تحالفات وتمويلات ومعايير تقنية وشبكات إنتاج عابرة للحدود.
وتطرح الخطة أيضاً سؤال موقع إفريقيا داخل السوق الجديدة. فاختيار كينيا يعكس اهتماماً بالدول المستهلكة والمتضررة من ارتفاع كلفة الأسمدة، لكن القارة لا تحتاج فقط إلى تمويل الاستيراد، بل إلى توطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، وبناء سلاسل قيمة، وتقليص تبعيتها للأسواق الخارجية.
هنا يملك المغرب فرصة استراتيجية تتجاوز تصدير الأسمدة. فالمملكة قادرة على التحول إلى قاعدة صناعية وعلمية وتمويلية للإنتاج داخل القارة، عبر ربط المصانع بالبحث الزراعي، وتحليل التربة، والتكوين، وتطوير تركيبات تناسب حاجات كل منطقة ومحصول، بدل اعتماد وصفة موحدة لأراضٍ وبيئات مختلفة.
لكن هذه الفرصة تحتاج إلى حضور سياسي ودبلوماسي يوازي القوة الإنتاجية.
فالوثيقة التي أصدرتها مجموعة السبع ليست اتفاقاً دولياً ملزماً، ولا تتضمن في مرحلتها الحالية غلافاً مالياً محدداً أو مشاريع جاهزة للتنفيذ.
وهي تظل خطة طوعية ومؤقتة وموجهة لمواجهة الصدمات الحالية وبناء قدرة أكبر على الاستباق.
مع ذلك، لا تكمن أهميتها في حجم الأموال المعلنة، بل في الاتجاه الذي ترسمه.
فمجموعة السبع تريد الانتقال من تدبير أزمة الأسمدة بعد وقوعها إلى بناء منظومة استباقية تجمع بين التمويل والإنتاج واللوجستيك والمراقبة.
وهذا يعني أن جزءاً من قواعد السوق المقبلة يُصاغ منذ الآن.
السؤال بالنسبة إلى المغرب لم يعد متعلقاً بما إذا كان يملك الفوسفاط، فذلك محسوم بالأرقام.
السؤال الحقيقي هو ما إذا كان سيكتفي بتزويد السوق بالمادة الخام والمنتج النهائي، أم سينتقل إلى المشاركة في تحديد قواعدها وتمويلها واتجاهاتها.
العالم لا يبحث فقط عن صاحب أكبر احتياطي، بل عن الدولة القادرة على تحويل المورد إلى أمن غذائي، وتحالفات، واستثمار، ونفوذ.
والمغرب، الذي يملك نحو 50 مليار طن من الفوسفاط، يوجد اليوم أمام امتحان واضح: إما أن يظل قوة إنتاج، أو يتحول إلى قوة قرار.
