بقلم: الباز عبدالإله
كشفت معطيات أوردتها جريدة «العمق المغربي»، نقلاً عن مصادر وصفتها بالعليمة، أن لجاناً تابعة للمفتشية العامة لوزارة الداخلية شرعت، خلال الأيام الأخيرة، في مباشرة عمليات افتحاص وتدقيق لملفات الدعم المالي المخصص لعدد من الجمعيات الرياضية داخل جماعات ترابية بجهة الدار البيضاء-سطات، في خطوة رقابية تضع شروط الحكامة والشفافية وتكافؤ الفرص في صلب تدبير الإعانات العمومية.
وتتجه هذه العمليات، بحسب المعطيات المتاحة، إلى فحص المسار الكامل لمنح الدعم، انطلاقاً من إيداع طلبات الاستفادة ودراستها داخل اللجان المختصة، مروراً بمداولات المجالس الجماعية والتصويت على المقررات، وصولاً إلى تحويل الاعتمادات ومراقبة أوجه صرفها ومدى مطابقتها للأهداف المحددة في الاتفاقيات الموقعة.
وتكتسي هذه المهمة الرقابية أهمية خاصة بالنظر إلى تركيزها على الجمعيات التي يرأسها أو يسيرها منتخبون يشغلون، في الوقت نفسه، عضوية المجالس الجماعية المعنية بمنح الدعم، وهو وضع يطرح أسئلة مشروعة بشأن مدى احترام قواعد الحياد، وتفادي تضارب المصالح، وعدم توظيف الصفة الانتدابية في التأثير على القرارات المرتبطة بتوزيع المال العمومي.
وطلب مفتشو وزارة الداخلية، وفق المصادر نفسها، حزمة واسعة من الوثائق الإدارية والمالية، تشمل ملفات طلبات الدعم، ومحاضر اجتماعات اللجان المختصة، ومداولات المجالس الجماعية، ولوائح الأعضاء المشاركين في التصويت، إلى جانب الاتفاقيات المبرمة مع الجمعيات المستفيدة، وسجلات التحويلات المالية، والتقارير الأدبية والمحاسباتية، والوثائق المثبتة لإنجاز الأنشطة الممولة.
ولا يبدو أن الافتحاص يقتصر على التحقق من سلامة المساطر الشكلية، بل يمتد إلى تقييم مدى وضوح المعايير المعتمدة في اختيار المستفيدين، ومدى استفادة مختلف الجمعيات في شروط متكافئة، فضلاً عن فحص العلاقة بين قيمة الدعم الممنوح وطبيعة الأنشطة المنجزة والأثر الفعلي الذي حققته داخل المجالين الرياضي والاجتماعي.
ويظل جوهر الملف مرتبطاً بالسؤال عن مدى مشاركة منتخبين في مناقشة أو تمرير دعم لفائدة جمعيات تربطهم بها علاقات مباشرة، سواء من خلال الرئاسة أو التسيير أو العضوية، وما إذا كانوا قد التزموا بواجب التصريح بالمصلحة والامتناع عن المشاركة في القرار كلما وجدت حالة من شأنها إثارة شبهة تضارب المصالح.
غير أن وجود منتخب داخل جمعية مستفيدة لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً تلقائياً على ارتكاب مخالفة، إذ يبقى التقييم القانوني مرتبطاً بطبيعة العلاقة القائمة، ومدى المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار، واحترام المقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة لمنح الإعانات، فضلاً عن توفر أدلة واضحة على أي استغلال محتمل للصفة أو النفوذ.
وتفتح عمليات التدقيق الجارية نقاشاً أوسع حول طريقة تدبير دعم الجمعيات داخل الجماعات الترابية، خاصة في ظل الانتقادات التي ترافق، في عدد من الحالات، غياب معايير منشورة ودقيقة، وعدم وضوح الأولويات، وضعف آليات التقييم اللاحق، بما قد يحول الإعانات من أداة لدعم الرياضة وتأطير الشباب إلى مجال تتحكم فيه اعتبارات القرب السياسي أو الانتخابي.
فالاعتمادات الموجهة إلى الجمعيات تظل جزءاً من المال العام، ولا يفترض أن تخضع لمنطق الامتياز أو العلاقات الشخصية، بل لمعايير واضحة وقابلة للتحقق، تقوم على جودة المشروع، وعدد المستفيدين، والقدرة على التنفيذ، وسلامة الوضعية القانونية والمالية، ومدى تحقيق الأهداف المتفق عليها.
وتطرح هذه المعطيات أسئلة لا تزال في حاجة إلى أجوبة دقيقة: ما حجم الأموال التي يشملها الافتحاص؟ وما عدد الجماعات والجمعيات المعنية؟ وهل شارك منتخبون في التصويت على إعانات لفائدة هيئات يسيرونها أو تربطهم بها مصالح مباشرة؟ وهل استفادت جميع الجمعيات من الشروط والمعايير نفسها؟
كما يظل من الضروري معرفة ما إذا كانت مهام التفتيش قد جاءت في إطار برنامج رقابي دوري، أم بناءً على شكايات أو تقارير أو مؤشرات سابقة أثارت انتباه المصالح المختصة، لأن تحديد منطلق الافتحاص من شأنه أن يوضح طبيعة الملف وحدود الشبهات المطروحة بشأنه.
وتبقى نتائج هذه المهام وحدها الكفيلة بإثبات سلامة التدبير أو تسجيل اختلالات تستوجب ترتيب المسؤوليات.
غير أن مبدأ الشفافية يقتضي ألا تظل خلاصات الافتحاص حبيسة التقارير الداخلية، بل أن تقدم للرأي العام، في حدود ما يسمح به القانون، مع توضيح طبيعة المخالفات المسجلة، وحجم الاعتمادات المعنية، والتدابير المتخذة لتصحيح الوضع.
وفي حال ثبوت تجاوزات، لن يكون المطلوب مجرد تسجيل ملاحظات إدارية، بل تفعيل آليات المحاسبة، واسترجاع الأموال التي قد يثبت صرفها خارج الضوابط، ومراجعة طرق منح الدعم، وإرساء ضمانات تحول دون الجمع بين سلطة اتخاذ القرار والاستفادة المباشرة أو غير المباشرة منه.
أما إذا انتهت عمليات الافتحاص إلى تأكيد سلامة المساطر، فإن الإعلان عن النتائج سيشكل حماية للمجالس والجمعيات والمنتخبين من التعميم والاتهامات غير المؤسسة، لأن الشفافية لا تخدم المحاسبة فقط، بل توفر أيضاً ضمانة لكل من ثبت احترامه للقانون.
وبين دعم الأنشطة الرياضية وتمويل شبكات القرب الانتخابي تظل الحدود واضحة من حيث المبدأ.
أما من حيث الممارسة، فإن مهمة التفتيش الجارية مطالبة بالكشف عما إذا كان المال العمومي قد وُجه وفق معايير موضوعية وعادلة، أم أن بعض الجمعيات وجدت طريقها إلى الدعم بحكم قربها من مواقع القرار أكثر مما وجدته بحكم جودة مشاريعها واستحقاقها.
