تجاوزت أصداء خسارة المنتخب المغربي أمام فرنسا بهدفين دون رد حدود الإقصاء من ربع نهائي كأس العالم 2026، لتنتقل إلى قلب النقاش التكتيكي حول اختيارات المدرب محمد وهبي، التي تحولت إلى محور انتقاد في عدد من المنابر الدولية، وفي مقدمتها صحيفة «لاغازيتا ديلو سبورت» الإيطالية.
الصحيفة اختارت عنواناً مباشراً قالت فيه إن «فرنسا من كوكب آخر»، معتبرة أن هدفي كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي أعادا المغرب إلى الديار، بعد مواجهة أظهرت تفوقاً فرنسياً واضحاً، خصوصاً عندما حاول أسود الأطلس الخروج نسبياً من تمركزهم الدفاعي خلال الشوط الثاني.
وبحسب قراءة «لاغازيتا»، لجأ المنتخب المغربي إلى أسلوب قريب من «الكاتيناتشو»، قائم على التكتل المكثف وإغلاق المساحات، أملاً في تكرار المقاربة التي مكنته من تجاوز كندا في الدور السابق.
غير أن المبالغة في التحفظ، وفق الصحيفة، حدت من الحضور الهجومي للمغرب، وأبعدت الفريق عن الصورة القوية التي قدمها خلال البطولة.
ولم تعتبر الصحيفة غياب إسماعيل صيباري مبرراً كافياً لإقامة ما وصفته بـ«المتاريس» أمام المنطقة المغربية.
صحيح أن افتقاد لاعب يمتلك السرعة والقدرة على قيادة التحولات العمودية ترك أثراً واضحاً، غير أن ذلك، في تقديرها، لا يفسر التخلي شبه الكامل عن المبادرة الهجومية.
ووضعت «لاغازيتا» الاختيارات الفردية لمحمد وهبي تحت المجهر، معتبرة أن خطة 4-2-3-1 تحولت عملياً إلى تنظيم أقرب إلى 4-4-2 شديد الميل إلى الخلف، وهو ما أخرج عدداً من اللاعبين من مواقع تأثيرهم الطبيعية، وقلص من قدرتهم على صناعة الفارق في الثلث الأخير من الملعب.
واضطر إبراهيم دياز إلى الانطلاق من مناطق بعيدة عن المرمى الفرنسي، ما حد من قدرته على الاختراق وصناعة الخطر قرب منطقة الجزاء.
أما شمس الدين طالبي، الذي قدم مستويات قوية في مباريات سابقة، فقد بدا معزولاً عن مجريات اللعب، ولم تصله الكرات الكافية للدخول في أجواء المواجهة.
غير أن الانتقاد الأكثر حدة تعلق بطريقة توظيف بلال الخنوس. فالصحيفة اعتبرت أن اللاعب ليس مهاجماً صريحاً، وأن إشراكه في دور «المهاجم الوهمي» وضعه في مهمة لا تنسجم مع خصائصه الفنية ولا مع مركزه الأصلي.
وذهبت «لاغازيتا» إلى وصف الخنوس بأنه كان «الأكثر وهماً بين أصحاب الرقم تسعة»، في إشارة إلى ابتعاده المتكرر عن مناطق الحسم وتراجعه إلى مستوى عز الدين أوناحي. ونتيجة هذا الاختيار، وجد المغرب نفسه من دون مهاجم يشغل قلبي الدفاع الفرنسيين، أو يفرض حضوراً داخل منطقة الجزاء، أو يمنح الفريق عمقاً هجومياً حقيقياً.
كما انعكس التمركز المنخفض على أداء أوناحي، الذي لم يتمكن، وفق التحليل الإيطالي، من فرض أسلوبه المعتاد في قيادة الكرة والتحرك بين الخطوط، بعدما وجد نفسه داخل منظومة تعطي الأولوية للتغطية وإغلاق المساحات على حساب البناء الهجومي والمبادرة.
ونجح المنتخب المغربي خلال الشوط الأول في تأخير التفوق الفرنسي، مستفيداً من تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلة جزاء نفذها مبابي، وأنقذ مرماه في أكثر من مناسبة.
غير أن هذا الصمود لم يكن مصحوباً بتهديد هجومي حقيقي، إذ أنهى أسود الأطلس النصف الأول من المواجهة من دون أي تسديدة مؤطرة، مع ارتكاب أخطاء أثناء محاولة الخروج بالكرة من الخلف.
وخلال الشوط الثاني، حاول المغرب رفع خطوطه واللعب بصورة أكثر مباشرة، لكن هذا التحول فتح المساحات أمام المنتخب الفرنسي، الذي استغل سرعة مبابي وديمبيلي وقدرتهما على ضرب العمق لحسم المواجهة.
وأكدت أرقام المباراة حجم الفارق بين المنتخبين، بعدما أنهت فرنسا اللقاء بعشرين محاولة مقابل أربع محاولات مغربية، مع سبع تسديدات مؤطرة، مقابل تسديدة واحدة فقط للمنتخب المغربي.
ورغم أن بلوغ ربع نهائي كأس العالم للمرة الثانية توالياً يظل إنجازاً بارزاً لكرة القدم المغربية، فإن طريقة الإقصاء تفتح نقاشاً مشروعاً حول اختيارات الطاقم التقني في أهم مباريات المسار، وحول قرار خوض مواجهة بهذا الحجم من دون رأس حربة صريح يمنح الفريق حضوراً فعلياً داخل المنطقة الفرنسية.
فالمنتخب المغربي لم يدفع فقط ثمن قوة فرنسا ومهارات مبابي وديمبيلي، بل دفع أيضاً ثمن مقاربة تكتيكية قيدت قدراته الهجومية، ووضعت عدداً من لاعبيه المؤثرين في أدوار لم تسمح لهم بإظهار إمكاناتهم الحقيقية.
وفي ليلة كان ينتظر فيها الجمهور المغربي منتخباً يهاجم حلم نصف النهائي، وجد بلال الخنوس نفسه محاصراً في دور المهاجم الوهمي، فيما بدا الهجوم المغربي بدوره أقرب إلى الوهم، أمام دفاع فرنسي لم يتعرض للضغط الكافي لإظهار نقاط ضعفه.
