بقلم: الباز عبدالإله
بلغت النفقات الصادرة برسم الميزانية العامة 311,1 مليار درهم خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2026، فيما وصلت الالتزامات بالنفقات إلى 500,5 مليار درهم، وفق أحدث معطيات الخزينة العامة للمملكة.
ولا يتعلق الأمر برقمين يمكن جمعهما أو تقديمهما باعتبارهما فاتورتين منفصلتين تحملتهما الدولة.
فالرقم الأول يخص النفقات الصادرة برسم الميزانية العامة، بينما يعكس الثاني قيمة الالتزامات بالنفقات، بما فيها العمليات غير الخاضعة للتأشيرة المسبقة للالتزام، أي إنه يرتبط بمرحلة محاسبية مختلفة من تنفيذ الميزانية.
غير أن ضخامة الرقمين تفتح سؤالاً مشروعاً يتجاوز قدرة الإدارات على الالتزام بالاعتمادات وإصدار النفقات: هل يوازي الأثر الاقتصادي والاجتماعي للإنفاق العمومي حجم الأموال التي تحركها الدولة؟
وأظهرت وضعية تحملات وموارد الخزينة تراجع عجز الميزانية إلى 20,2 مليار درهم عند متم يونيو 2026، مقابل نحو 24,9 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، أي بتحسن يقارب 4,7 مليارات درهم.
يمثل هذا التراجع تحسناً حقيقياً في الرصيد الإجمالي للخزينة، لكنه لم ينتج عن انخفاض مصاريف الدولة.
فقد ارتفعت النفقات الصادرة برسم الميزانية العامة بنسبة 13,2 في المائة، لتصل إلى 311,1 مليار درهم، مقابل نحو 274,7 مليار درهم قبل سنة.
الدولة، وفق هذه المعطيات، لم تنفق أقل، بل ارتفعت تحملات ميزانيتها العامة بأكثر من 36 مليار درهم خلال سنة واحدة.
وفي المقابل، استقرت المداخيل العادية عند 229,7 مليار درهم، بارتفاع نسبته 8,6 في المائة، بعدما كانت في حدود 211,5 مليار درهم عند متم يونيو 2025، أي بزيادة تناهز 18,2 مليار درهم.
وتكشف المقارنة أن تحملات الميزانية العامة ارتفعت بالقيمة المطلقة وبالنسبة المئوية بوتيرة تفوق نمو المداخيل العادية، رغم التحسن المسجل في العجز النهائي.
وجاء ارتفاع الموارد مدفوعاً أساساً بزيادة الضرائب المباشرة بنسبة 13,8 في المائة، والرسوم الجمركية والضرائب غير المباشرة بنسبة 9,5 في المائة لكل منهما، ورسوم التسجيل والتنبر بنسبة 14,9 في المائة، مقابل تراجع المداخيل غير الضريبية بنسبة 16,9 في المائة.
وتعني هذه الأرقام أن ارتفاع الموارد العادية استند أساساً إلى تحسن المداخيل الجبائية، في مقابل تراجع المداخيل غير الضريبية، ما يجعل مساءلة فعالية الإنفاق أكثر إلحاحاً.
فالمواطن والمقاولة لا يقيسان نجاح المالية العمومية فقط بحجم الضرائب المحصلة أو الاعتمادات المنفذة، بل بما ينتج عنها من خدمات وتجهيزات وفرص شغل وتحسن ملموس في ظروف العيش.
أما تحسن العجز، فقد تزامن مع ارتفاع قوي في الرصيد الإيجابي للحسابات الخصوصية للخزينة ومصالح الدولة المسيرة بصورة مستقلة، والذي بلغ في مجموعه نحو 26 مليار درهم.
وسجلت الحسابات الخصوصية وحدها مداخيل بقيمة 126,6 مليار درهم، مقابل نفقات صادرة بلغت 101,5 مليار درهم، لتفرز رصيداً إيجابياً قدره 25,1 مليار درهم.
كما حققت مصالح الدولة المسيرة بصورة مستقلة فائضاً يقارب مليار درهم، بعدما بلغت مداخيلها نحو 1,5 مليار درهم، مقابل نفقات بقيمة 531 مليون درهم.
ويكتسب هذا الرصيد أهمية أكبر عند مقارنته بوضعية يونيو 2025، حين كان رصيد الحسابات الخصوصية ومصالح الدولة المسيرة بصورة مستقلة في حدود 4 مليارات درهم تقريباً.
وخلال سنة واحدة، تحسن هذا الرصيد بنحو 22 مليار درهم، وهو مبلغ يفوق بأضعاف التحسن المسجل في العجز.
وتبين المقارنة أن ارتفاع رصيد الحسابات الخصوصية ومصالح الدولة المسيرة بصورة مستقلة ساهم بقوة في تحسن الرصيد الإجمالي للخزينة، بالتوازي مع ارتفاع المداخيل العادية واستمرار زيادة النفقات.
ولا يتعلق الأمر بإخفاء محاسبي أو تلاعب بالأرقام، لأن الخزينة أوضحت صراحة أن العجز المعلن يأخذ في الاعتبار الرصيد الإيجابي لهذه الحسابات.
لكن هذا المعطى يمنع تقديم تراجع العجز باعتباره دليلاً قائماً بذاته على التحكم في المصاريف، لأن نفقات الدولة استمرت في الارتفاع، فيما ساهم ارتفاع الرصيد الإيجابي للحسابات الخصوصية ومصالح الدولة المسيرة بصورة مستقلة في تحسين الرصيد الإجمالي للخزينة.
كما لا يمثل فائض الحسابات الخصوصية بالضرورة وفراً نهائياً أو أموالاً حرة يمكن للحكومة استعمالها في أي مجال.
فهذه الحسابات تتولى تتبع موارد مخصصة لتمويل عمليات وبرامج محددة، وتخضع كل منها لقواعدها وأغراضها.
ولا تتيح النشرة الشهرية وحدها تحديد ما إذا كان الرصيد المسجل يعكس وفراً نهائياً، أو تفاوتاً زمنياً بين تحصيل الموارد وصرفها، أو عوامل مرتبطة بطبيعة الحسابات المعنية.
لذلك يظل السؤال المهني متعلقاً بطبيعة الحسابات التي أنتجت رصيداً إيجابياً بلغ 25,1 مليار درهم، ومصادر مواردها، والبرامج المرتبطة بها، ومدى تقدم تنفيذ النفقات المقررة في إطارها.
وتظهر تركيبة تحملات الميزانية العامة أن نفقات التسيير ارتفعت بنسبة 16,7 في المائة، وهي وتيرة تجاوزت نمو نفقات الاستثمار، التي ارتفعت بنسبة 14,3 في المائة.
ولا تسمح هذه النسب وحدها باتهام الحكومة بالتبذير أو سوء التدبير، لأن نفقات التسيير تشمل الأجور والتحويلات والسلع والخدمات ونفقات قطاعات ومؤسسات عمومية متعددة.
لكن ارتفاعها بهذه الوتيرة يمنح الرأي العام الحق في معرفة المجالات التي استوعبت الزيادة، ومدى انعكاسها على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والنقل والحماية الاجتماعية.
ويحتاج رقم 311,1 مليار درهم بدوره إلى قراءة دقيقة، لأنه لا يمثل كله أموالاً موجهة إلى التسيير والاستثمار، بل يتضمن أيضاً تحملات الدين المدرج في الميزانية.
فقد بلغت تسديدات أصل الدين 35,2 مليار درهم، فيما وصلت فوائد الدين إلى 24 مليار درهم، ليبلغ مجموع خدمة الدين نحو 59,2 مليار درهم خلال ستة أشهر.
وارتفعت تحملات الدين المدرج في الميزانية بنسبة 2,4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
غير أن تسديد أصل الدين لا يعامل محاسبياً بالطريقة نفسها التي تعامل بها فوائد الدين أو نفقات التسيير والاستثمار عند احتساب العجز.
لذلك سيكون من غير الدقيق تقديم 311,1 مليار درهم كما لو أنها ذهبت بالكامل إلى تمويل الإدارات والمشاريع والخدمات العمومية.
أما الالتزامات بالنفقات، فقد بلغت 500,5 مليار درهم عند متم يونيو، بما فيها العمليات غير الخاضعة للتأشيرة المسبقة للالتزام، وهو ما يمثل معدل التزام إجمالياً قدره 52 في المائة، فيما بلغ معدل إصدار الموجبات مقارنة بالالتزامات 83 في المائة.
ويمثل الالتزام، في المسطرة العادية، مرحلة تسبق إصدار النفقة وأداءها، حيث تتحقق الإدارة من توافر الاعتمادات وصحة التخصيص والمبلغ الذي تلتزم بأدائه.
غير أن نظام تنفيذ النفقات يتضمن أيضاً عمليات لا تخضع كلها للشكل نفسه من التأشيرة أو المراقبة المسبقة، وفق طبيعة النفقة والقواعد المنظمة لها.
لذلك لا يعني بلوغ الالتزامات 500,5 مليار درهم أن الدولة صرفت فعلياً نصف تريليون درهم خلال النصف الأول من السنة، كما لا يجوز إضافة هذا المبلغ إلى النفقات الصادرة البالغة 311,1 مليار درهم.
ويقيس معدل الالتزام مدى تقدم الإدارة في تعبئة الاعتمادات المقررة، بينما يعكس معدل الإصدار انتقال جزء من الالتزامات إلى مرحلة إصدار النفقات.
لكن المؤشرين يظلان مرتبطين بسرعة التنفيذ المالي، ولا يقدمان وحدهما حكماً نهائياً بشأن جودة المشاريع أو مردوديتها.
قد تتمكن إدارة من الالتزام بجميع اعتماداتها وإصدار نفقاتها في الآجال، من دون أن تحقق النتائج الاقتصادية والاجتماعية المنتظرة.
كما قد يتأخر تنفيذ مشروع معقد رغم أهميته وجدواه.
فعالية الإنفاق العمومي تحتاج إلى مؤشرات تتجاوز حجم الاعتمادات ونسب التنفيذ، من قبيل احترام آجال إنجاز المشاريع، وكلفتها النهائية، وجودة الأشغال والخدمات، وعدد المستفيدين، وقدرتها على إحداث فرص الشغل وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
تكشف أرقام الخزينة أن الدولة حصّلت موارد أكبر، ورفعت نفقات ميزانيتها العامة بأكثر من 36 مليار درهم خلال سنة، والتزمت بمبالغ ضخمة، فيما ساهم تحسن رصيد الحسابات الخصوصية في خفض العجز الإجمالي.
لكن النشرة لا تخبر المغاربة وحدها أين ظهر أثر هذه الزيادة، ولا ما إذا كانت جودة الخدمات العمومية تحسنت بما يوازي حجم الأموال المرصودة.
العجز تراجع فعلاً، لكن الإنفاق لم يتراجع. والالتزامات تقدمت، لكن سرعة تنفيذ الميزانية لا تعني تلقائياً فعالية نتائجها.
بين 311 مليار درهم من النفقات و500 مليار درهم من الالتزامات، لا يعود السؤال فقط إلى قدرة الدولة على صرف الأموال، بل إلى القيمة التي يحصل عليها المغاربة مقابل كل درهم من المال العام.
