يستعد تيار «اليسار الجديد المتجدد»، عقب انسحابه من الحزب الاشتراكي الموحد، لإطلاق مبادرة سياسية وتنظيمية تروم فتح نقاش موسع حول واقع اليسار المغربي وآفاق إعادة بنائه، من خلال ندوة وطنية عمومية تحتضنها العاصمة الرباط يوم السبت فاتح غشت 2026.
وتنعقد الندوة، التي اختار لها المنظمون عنوان «سؤال اليسار بالمغرب، بين ضرورة التجديد وآفاق إعادة البناء»، في سياق يتسم بتراجع الحضور الانتخابي والمجتمعي للقوى اليسارية، واستمرار حالة التشتت التنظيمي وتعدد الخلافات الداخلية، مقابل محدودية قدرتها على تحويل المطالب الاجتماعية والديمقراطية إلى مشروع سياسي موحد وقادر على التأثير داخل المشهد الحزبي.
وأفادت التنسيقية الوطنية للتيار، في بلاغ صادر يوم الأربعاء 15 يوليوز 2026، بأن المبادرة تهدف إلى إطلاق نقاش عمومي حول دواعي تجديد اليسار المغربي، والمداخل الفكرية والسياسية والتنظيمية الكفيلة باستعادة حضوره وفاعليته داخل المجتمع.
ولا تقتصر أرضية الندوة على تشخيص مظاهر الأزمة التي تعيشها التنظيمات اليسارية، بل تشمل أيضاً تقييم تجارب التحالف والعمل المشترك والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، والوقوف عند حدود الاختيارات التي اعتمدتها مكونات اليسار خلال العقود الماضية، ومدى نجاحها في بلورة بديل مجتمعي واضح وقابل للتحول إلى قوة سياسية مؤثرة.
وتتوزع أشغال الندوة على أربعة محاور رئيسية، يتناول أولها أولوية التجديد من خلال قراءة أزمة اليسار على المستويين الدولي والوطني، وتقييم تجارب التحالفات اليسارية والمشاركة في المسار الانتخابي، ومدى إسهام هذه الخيارات في توسيع قاعدة اليسار أو تكريس اندماجه في موازين القوى السياسية القائمة.
ويركز المحور الثاني على الأسس الفكرية والأيديولوجية لعملية التجديد، عبر استعادة ما وصفه البلاغ بـ«النظرة العلمية إلى العالم»، والانفتاح على الاجتهادات الماركسية المتجددة، بما يسمح، وفق تصور المنظمين، بتجاوز الجمود النظري وتطوير المرجعية اليسارية في ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الراهنة.
أما المحور الثالث، فيتناول التجديد السياسي والبرنامجي، من خلال البحث في سبل صياغة برنامج يساري واضح وقابل للتنفيذ، وممارسة سياسية تستند إلى قيم الالتزام والتقدم، وتتجاوز الخطابات العامة والشعارات التي لا تجد طريقها إلى مقترحات وسياسات عملية.
ويضع المحور الرابع المسألة التنظيمية في صلب النقاش، عبر بحث طبيعة الأداة السياسية المطلوبة لمرحلة إعادة البناء، وضمان التعددية والحق في وجود التيارات داخل التنظيمات، إلى جانب تعزيز مشاركة الشباب والنساء ومغاربة المهجر، وإدماج المواطنين بالأقاليم الجنوبية للمملكة ضمن النقاش المتعلق بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي.
وأعلن التيار اعتماد منهجية تشاركية مفتوحة أمام التنظيمات والتيارات السياسية والفعاليات اليسارية والحقوقية والنقابية، فضلاً عن شباب الحركات المجتمعية، على أن تلي المداخلات مناقشات عامة تنتهي بإعداد تقرير تركيبي يوثق أبرز الخلاصات والتوصيات.
وتسعى المبادرة، وفق البلاغ، إلى تجاوز صيغة اللقاءات التواصلية الظرفية، وتحويل مخرجات الندوة إلى أرضية مرجعية تساهم في النقاش المتعلق بإعادة بناء اليسار وتجديد أدواته الفكرية والسياسية والتنظيمية.
وتكتسب الندوة أهمية سياسية إضافية بالنظر إلى تنظيمها بعد إعلان التيار انسحابه من الحزب الاشتراكي الموحد، على خلفية خلافات تنظيمية وسياسية قال إنها اتسمت بـ«التعنت والإقصاء»، ما يضعه أمام اختبار الانتقال من تدبير خلافاته داخل الحزب إلى تقديم تصور مستقل ومتكامل لمستقبل العمل اليساري.
وتتجاوز أزمة اليسار المغربي، في هذا السياق، حدود النتائج الانتخابية وضعف التمثيلية داخل المؤسسات، لتشمل أسئلة الهوية والبرنامج والقيادة والارتباط بالمجتمع، خصوصاً في ظل اتساع المطالب المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والكرامة ومحاربة الفساد، من دون أن تنجح القوى اليسارية حتى الآن في تحويل هذه الدينامية إلى كتلة سياسية وتنظيمية قادرة على التأثير.
وتضع ندوة الرباط تيار «اليسار الجديد المتجدد» أمام تحدي تقديم أجوبة عملية عن الأسئلة التي يطرحها، وإثبات قدرته على نقل شعار إعادة البناء من مستوى التشخيص والنقاش النظري إلى مسار سياسي وتنظيمي قابل للاستمرار، في وقت لا تزال فيه إشكالات الوحدة والبرنامج والقيادة والتجذر المجتمعي مفتوحة داخل مختلف مكونات اليسار المغربي.
