لم تعد أزمة المحامين مجرد خلاف مهني بشأن مشروع قانون تنظيم المهنة، بعدما امتدت تداعياتها إلى السير العادي للمحاكم، وأصبحت آثارها ملموسة في تأجيل الجلسات وتعطل المرافعات وتراكم الملفات.
وبينما انتقلت احتجاجات المحامين من قاعات الجلسات إلى أبواب المحاكم، وجد عدد من المتقاضين أنفسهم أمام وضع يطبعه الغموض، في ظل غياب تواصل حكومي يوضح مآل القضايا المتأثرة، أو التدابير المتخذة للحد من انعكاسات الأزمة على حقوق المواطنين.
المحامي رشيد أيت بلعربي، عضو هيئة المحامين بالقنيطرة، اختصر هذا الوضع في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، اعتبر فيها أن المحامين المغاربة يخوضون «أطول معركة احتجاجية في تاريخ المحاماة بالمغرب، وربما في العالم».
وأشار أيت بلعربي إلى أن المحاكم خلت من مرافعات الدفاع، في الوقت الذي امتلأت فيه أبوابها بالوقفات الاحتجاجية والشعارات، معتبراً أن المشهد يعكس حجم الاحتقان الذي بلغته العلاقة بين المحامين والحكومة.
غير أن التدوينة لم تتوقف عند وصف الاحتجاج، بل انتقلت إلى مساءلة السلطة التنفيذية عن غيابها عن التواصل مع الرأي العام بشأن أزمة تمس مرفقاً أساسياً من مرافق الدولة.
وتساءل أيت بلعربي عن عدم خروج رئيس الحكومة لتوضيح موقفه من تطورات الملف، كما سجل غياب وزير العدل عن مخاطبة المتقاضين وطمأنتهم بشأن حقوقهم والقضايا التي قد تكون تأثرت بتوقف المرافعات.
وختم تدوينته بسؤال مباشر: «هل يقع هذا في أي بلد آخر في العالم؟».
يحيل هذا السؤال إلى ما هو أبعد من الخلاف حول مشروع القانون، إذ يضع في الواجهة مصير المواطنين الذين لم يكونوا طرفاً في النزاع، لكنهم قد يتحملون جزءاً من كلفته من خلال تأجيل الجلسات وتعطل المساطر وإطالة أمد القضايا.
فالمتقاضي الذي ينتظر حكماً في نزاع أسري، والمعتقل الذي ينتظر مرافعة دفاعه، والأجير الذي يطالب بمستحقاته، والمقاولة التي تنتظر البت في نزاع قد يؤثر في استمرار نشاطها، لا يمكن اعتبارهم مجرد أطراف هامشية في مواجهة مفتوحة بين الحكومة وهيئات المحامين.
كما أن الدفاع لا يمثل خدمة موازية داخل منظومة العدالة، بل يشكل عنصراً أساسياً في ضمان المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات، وهو ما يجعل استمرار الأزمة دون توضيحات رسمية مسألة تتجاوز حدود الخلاف المهني.
وفي هذا السياق، لا يعود غياب رئيس الحكومة ووزير العدل مجرد ملاحظة مرتبطة بالتواصل، بل يتحول إلى جزء من النقاش حول مسؤولية الحكومة في تدبير أزمة أصبحت لها انعكاسات مباشرة على مرفق العدالة وعلى مصالح المتقاضين.
قد تختلف الحكومة مع المحامين بشأن مضمون مشروع القانون، وقد يتمسك كل طرف بموقفه، غير أن استمرار الوضع دون أفق واضح يثير أسئلة جدية حول قدرة المؤسسات المعنية على حماية حق المواطنين في التقاضي وضمان استمرارية العدالة.
الأزمة، وفق هذا المنظور، لم تعد أزمة نص تشريعي فقط، بل أصبحت اختباراً لقدرة الحكومة على احتواء خلاف مهني قبل أن يتحول إلى تعطل أوسع داخل المحاكم.
وبين محامين يحتجون أمام أبواب المحاكم، ومتقاضين ينتظرون داخلها، وحكومة لا تزال غائبة عن التواصل، يبقى السؤال الذي طرحه رشيد أيت بلعربي قائماً: من يتحمل مسؤولية حماية حقوق المواطنين حين يصبح مرفق العدالة نفسه جزءاً من الأزمة؟
