بقلم: الباز عبدالإله
حين دافع وزير الفلاحة أحمد البواري عن استمرار تصدير منتجات سلسلة الزيتون، رغم تراجع المحصول وارتفاع الأسعار داخل المغرب، قدّم تفسيراً بدا واضحاً: جزء من زيت الزيتون الموجّه إلى الخارج ينتمي إلى فئة «البكر الممتاز» المعبأ، التي لا تحظى، وفق قوله، بطلب كبير لدى المستهلك المغربي.
كان الوزير يتحدث عن واحدة من أعلى الفئات التجارية لزيت الزيتون، ويبرر خروجها نحو الأسواق الخارجية بضعف الطلب الداخلي، إلى جانب وجود عقود مسبقة تربط المنتجين والمصدرين المغاربة بمستوردين أجانب.
لكن إخطارين رسميين صدرا خلال نحو شهرين عن نظام الإنذار السريع للأغذية والأعلاف التابع للمفوضية الأوروبية، يعيدان فتح النقاش من زاوية أكثر حساسية: إذا كان المنتوج الموجه إلى الخارج، والمفترض أنه يمر عبر أكثر حلقات الفرز والمراقبة والتتبع تشدداً، قد تعثر في اختبارات أوروبية بسبب الرصاص، فما الضمانات المتوفرة بشأن ما يصل إلى موائد المغاربة؟
الإخطار الأحدث سجلته ألمانيا، يوم أمس 15 يوليوز 2026، تحت الرقم 2026.6291، ويتعلق برصد الرصاص في زيتون أخضر منزوع النوى مصدره المغرب.
وصنفت السلطات الأوروبية الحالة باعتبارها تنطوي على «خطر محتمل»، من دون أن تكشف الصفحة العمومية، إلى حدود نشر الإخطار، عن نسبة الرصاص المسجلة، أو الشركة المغربية المصدرة، أو العلامة التجارية، أو رقم الدفعة المعنية.
وقبل ذلك، سجلت هولندا، يوم 12 ماي 2026، إخطاراً منفصلاً يحمل الرقم 2026.4142، يتعلق بالمنتج نفسه، والمادة الملوثة نفسها، وبلد المنشأ نفسه.
وأظهرت معطيات الإخطار وجود 0.158 مليغرام من الرصاص في الكيلوغرام، مقابل حد أوروبي أقصى يبلغ 0.10 مليغرام، أي بتجاوز يناهز 58 في المائة.
الإخطاران لا يعنيان أن الزيتون المغربي كله ملوث، ولا يسمحان بتوجيه اتهام إلى القطاع بأكمله.
فالأمر يتعلق بشحنتين محددتين، ولا تتوفر، حتى الآن، معلومات علنية تثبت أنهما خرجتا من الوحدة الصناعية نفسها أو من المنتج ذاته.
لكن تكرار الإنذار، خلال فترة قصيرة، بشأن زيتون أخضر منزوع النوى مصدره المغرب، مع رصد الملوث نفسه، يجعل الاكتفاء بتفسير «الحادث المعزول» غير كافٍ، ويفرض تحقيقاً واضحاً داخل سلسلة الإنتاج والتصبير والتعبئة والتصدير.
المفارقة السياسية تبدأ من كلام الوزير نفسه.
ففي جواب كتابي عن سؤالين برلمانيين للنائب أحمد العبادي والنائبة لبنى الصغيري، نُشرت مضامينه في شتنبر 2025، قال البواري إن جزءاً من زيت الزيتون الذي صُدّر خلال السنة السابقة لم يكن مخصصاً للاستهلاك المباشر، بسبب ارتفاع نسبة الحموضة فيه، مضيفاً أنه جرى كذلك تصدير كميات من زيت الزيتون البكر الممتاز المعبأ، التي «لا تحظى بطلب كبير من قبل المستهلك المغربي».
ينبغي هنا التدقيق حتى لا يُحمّل تصريح الوزير ما لم يقله. البواري كان يتحدث عن زيت الزيتون، بينما يتعلق الإنذاران الأوروبيان الحاليان بزيتون المائدة الأخضر منزوع النوى.
لكن اختلاف المنتوجين لا يلغي جوهر السؤال، لأنهما ينتميان إلى السلسلة الفلاحية والصناعية نفسها، ويخضعان، من حيث المبدأ، لمنظومة مراقبة وتتبع يفترض أن تبدأ من الضيعة ووحدة التحويل، قبل الوصول إلى المستهلك أو مغادرة التراب الوطني.
كما أن الوزير لم يقل إن كل ما يصدره المغرب من الزيتون يمثل «أحسن الأنواع».
لكنه أقر بأن جزءاً من زيت الزيتون البكر الممتاز المعبأ، وهو من أعلى التصنيفات التجارية من حيث الجودة، يتوجه إلى الخارج بسبب محدودية الطلب عليه داخلياً.
هذه المعطيات تجعل السؤال أكثر إحراجاً للحكومة: إذا كان جزء من المنتوج الأعلى قيمة وجودة يجد طريقه إلى التصدير، وإذا كانت الشحنات الموجهة إلى الأسواق الأوروبية تخضع عادة لمتطلبات أكثر صرامة، فكيف تمكن الرصاص من العبور داخل شحنتين مغربيتين؟
وأين اكتسب الزيتون هذه المادة؟ هل جاء التلوث من التربة أو مياه السقي؟ هل وقع خلال التصبير والتخليل؟ هل يرتبط بالمياه المستعملة داخل الوحدة، أو بالمعدات، أو بأوعية التخزين والتعبئة؟ وهل جرى تحليل دفعات أخرى خرجت من مصدر الشحنتين نفسيهما؟
السؤال الأكثر ارتباطاً بالمغاربة لا يقف عند حدود التصدير: هل كانت الوحدات المعنية تنتج أيضاً للسوق الوطنية؟ وهل دخلت دفعات مشابهة إلى المتاجر والأسواق المغربية؟ وهل باشرت السلطات تحاليل احترازية على منتجات تحمل المصدر نفسه؟
لا توجد حالياً معطيات تثبت أن الزيتون المعروض داخل السوق المغربية يحتوي على الرصاص، ومن غير المهني الادعاء بذلك أو إثارة الخوف وسط المستهلكين.
لكن عدم توفر دليل علني على وجود الخطر لا يعني أن السؤال غير مشروع.
بل يعني أن المسؤولية تقع على المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية ووزارة الفلاحة لتقديم نتائج التتبع والتحاليل، بدل ترك المستهلك أمام فراغ في المعلومة.
فالاتحاد الأوروبي كشف رقم الإخطار، والدولة التي سجلته، والمنتج، وبلد المنشأ، وطبيعة الملوث، وتقييم الخطر. أما داخل المغرب، فلا يعرف المواطن حتى الآن اسم الوحدة المعنية، ولا مصدر الشحنة، ولا الإجراءات التي اتُخذت، ولا ما إذا كانت منتجات مرتبطة بها قد وصلت إلى السوق الداخلية.
القول إن زيت الزيتون البكر الممتاز المعبأ يتوجه إلى الخارج بسبب ضعف الطلب الداخلي لا يمكن أن يبقى مجرد تفسير تجاري، عندما تظهر شحنتان من سلسلة الزيتون في نظام الإنذار الأوروبي بسبب معدن سام.
فالمغربي الذي قيل له إن «البكر الممتاز» لا يحظى بطلب كبير لديه، من حقه أن يسأل عن جودة ما يحظى فعلاً بالطلب، وعن مستوى التحاليل المفروضة على المنتجات الأقل سعراً، وعلى الزيتون الذي يباع في الأسواق الشعبية، أو داخل محلات لا تتوفر فيها شروط واضحة للتعبئة والحفظ والتتبع.
خطورة الرصاص لا تسمح بالتعامل مع القضية باعتبارها مجرد خلل تجاري.
منظمة الصحة العالمية تؤكد أن الرصاص يتراكم داخل الجسم، ويصل إلى الدماغ والكليتين والكبد والعظام، وأن الأطفال والنساء الحوامل من أكثر الفئات هشاشة أمام آثاره.
كما تشير إلى عدم وجود مستوى معروف وآمن تماماً للتعرض للرصاص، حتى عندما لا تظهر أعراض مباشرة.
ولا يعني ذلك أن تناول حبات من الزيتون يؤدي تلقائياً إلى التسمم.
فتقدير الخطر يرتبط بنسبة الرصاص، والكمية المستهلكة، وتكرار التعرض، وعمر الشخص وحالته الصحية.
لكن وظيفة المراقبة الغذائية ليست انتظار ظهور التسمم، بل منع وصول المنتجات غير المطابقة إلى المواطن، والكشف عن مصدر التلوث، وسحب الدفعات المرتبطة به عند الضرورة، وإبلاغ الرأي العام بالإجراءات المتخذة.
لهذا، لا يكفي إصدار تأكيد عام بأن المنتجات الغذائية تخضع للمراقبة.
المطلوب جواب رسمي مباشر عن الإخطارين: ما الوحدات المغربية المعنية؟ هل تم تحديد مصدر الرصاص؟ هل خضعت منتجاتها الموجودة داخل المغرب للفحص؟ وهل اتُخذت تدابير مؤقتة إلى حين تصحيح الاختلالات؟
كما ينبغي توضيح طبيعة الإجراءات التي سبقت خروج الشحنتين.
هل خضعتا لتحاليل داخل المغرب؟ ومن أصدر الوثائق الصحية التي رافقتهما؟ وإذا كانت التحاليل المغربية لم ترصد الرصاص، فهل يتعلق الأمر باختلاف في طرق الاختبار، أم بتلوث وقع خلال مرحلة لاحقة من النقل أو التخزين؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا تسيء إلى صورة الزيتون المغربي، بل تحميها.
فالصمت هو الذي يسمح بتحويل خطأ وحدة واحدة إلى شبهة تطال آلاف الفلاحين والمصدرين الذين يلتزمون بالقواعد.
كما أن كشف هوية الوحدة المعنية، بعد التثبت واحترام المساطر القانونية، واتخاذ الإجراءات اللازمة في حقها، من شأنه أن يحمي باقي القطاع، ويؤكد أن الدولة تميز بين المنتج الملتزم ومن يعرّض صحة المستهلك وسمعة الصادرات للخطر.
أن ترصد مختبرات أوروبية الرصاص في شحنة مغربية ليس، في حد ذاته، دليلاً على أزمة عامة داخل القطاع، لأن أنظمة الإنذار وُجدت لاكتشاف المخالفات أينما حدثت.
أما الخلل الأخطر فسيبدأ إذا كانت السلطات المغربية قد توصلت بمعطيات الإخطارين، من دون أن تشرح للمستهلك مصدر التلوث، والإجراءات المتخذة، وما إذا كانت منتجات مرتبطة بالوحدات المعنية قد وُجهت إلى السوق الوطنية.
وزير الفلاحة قال إن زيت الزيتون البكر الممتاز المعبأ لا يحظى بطلب كبير لدى المستهلك المغربي، ولذلك يجد طريقه إلى الخارج. واليوم، بعدما سجلت أوروبا إخطارين بالرصاص في زيتون مائدة مغربي، يصبح السؤال أكبر من شحنتين وأبعد من التصدير.
إذا كانت المنتجات المنتقاة للأسواق الخارجية، والخاضعة لمتطلبات أوروبية صارمة، قد تعثرت في اختبار السلامة، فما مستوى المراقبة المطبق على ما يبقى داخل المغرب؟ ومن يضمن للمواطن أن الخلل الذي رصدته مختبرات الخارج لم يمتد إلى المنتجات المعروضة فوق موائد المغاربة؟
