بقلم: الباز عبدالإله
لا تختزل الاعتراضات التي يثيرها مشروع قانون مهنة المحاماة في خلاف مهني محدود حول شروط التنظيم الداخلي، بل تمتد إلى أسئلة دستورية تتصل باستقلال الدفاع، وحدود تدخل الدولة في تدبير الهيئات المهنية، والضمانات التي يحتاجها المحامي لأداء دوره داخل منظومة العدالة.
هذا المنظور كان محور مداخلة عبد العزيز رويبح، نقيب هيئة المحامين بالرباط، خلال ندوة علمية نظمتها الهيئة يوم الجمعة 17 يوليوز 2026 بدار المحامي في حي الرياض بالرباط، تحت عنوان «المحاماة على ضوء دستور المملكة والمعايير الدولية ذات الصلة»، في سياق إحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية للبت في مدى مطابقته لأحكام الدستور. وخُصص اللقاء لمناقشة الأبعاد الدستورية والقانونية للنص وانعكاساته على استقلال المهنة وموقع الدفاع داخل منظومة العدالة.
وأكد رويبح أن عدداً من مقتضيات المشروع يثير، في نظره، إشكالات جدية من حيث انسجامها مع أحكام الدستور، معتبراً أن النقاش حول النص لا ينبغي أن يقتصر على الأشكال الاحتجاجية، بل يتعين أن يجمع بين «العمل النضالي والتأصيل الفكري والقانوني».
وشدد على أن الدفاع عن استقلال المحاماة يقتضي أيضاً إنتاج الدراسات والمذكرات القانونية، وتفكيك مضامين المشروع من خلال قراءة دستورية ومؤسساتية، بدل حصر النقاش في ردود الفعل الميدانية أو المواقف الظرفية.
وأعرب نقيب هيئة الرباط عن اعتزازه بحالة التعبئة الفكرية التي واكبت مناقشة المشروع، مشيراً إلى توصله بعدد مهم من الدراسات والمقالات والملاحظات التي أعدها محامون وقضاة وأساتذة جامعيون وإعلاميون، وهو ما اعتبره مؤشراً على اتساع دائرة الاهتمام بالتحولات التي قد يحملها النص بالنسبة إلى موقع المحاماة داخل منظومة العدالة.
وبحسب قراءة رويبح، لا يتعلق الأمر بتعديلات تقنية متفرقة، بل بمقتضيات من شأنها إعادة تحديد العلاقة بين الدولة وهيئات المحامين، بما قد يمس بمبدأ التدبير الذاتي الذي شكل، تاريخياً، إحدى ركائز استقلال المهنة.
وتوقف عند الأحكام المرتبطة بالترشح لعضوية مجالس الهيئات، معتبراً أن جعل صفة النقيب مانعاً من الترشح يطرح إشكالاً من زاوية الحق في الترشح وتولي المسؤوليات المهنية، فضلاً عن كونه يحد من قدرة الهيئات على اختيار ممثليها وفق قواعدها وتقاليدها الداخلية.
كما انتقد ما وصفه بالمساس بمبدأ التدبير الذاتي، مؤكداً أن المحاماة لم تتأسس فقط على النصوص القانونية، بل أيضاً على أعراف مهنية راسخة قوامها التضامن والتكافل والمسؤولية الجماعية، وهي العناصر التي مكنت الهيئات من تدبير شؤون أعضائها ومواجهة التحديات المهنية والاجتماعية.
وخصص رويبح جانباً من مداخلته لمقتضيات إخضاع مالية هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، معتبراً أن هذا التوجه يحتاج إلى تدقيق دستوري وقانوني بالنظر إلى طبيعة موارد الهيئات.
وأوضح أن أموال الهيئات لا تندرج، وفق تصوره، ضمن المال العام، وإنما تتكون أساساً من مساهمات واشتراكات يؤديها المحامون من مواردهم الخاصة، وتُخصص لتدبير الشؤون المهنية والاجتماعية والثقافية للمهنة.
وأكد أن الاعتراض لا ينطلق من رفض مبدئي للرقابة أو المحاسبة، وإنما من ضرورة احترام الطبيعة القانونية للأموال موضوع المراقبة، والتمييز بين الموارد العمومية والأموال الخاصة التي تدبرها هيئة مهنية مستقلة.
واعتبر أن اختصاص المجلس الأعلى للحسابات محدد دستورياً، وأن إخضاع هذا النوع من الأموال لرقابته يثير، بحسب قراءته، شبهة توسيع مجال الرقابة بما قد يحولها من آلية للحكامة إلى مدخل محتمل للتأثير في استقلال الهيئات.
ووصف رويبح بعض مقتضيات المشروع بأنها تشكل التفافاً على المبادئ الدستورية لتمرير تشريع «خانق» للمهنة، مؤكداً أن المحامين لا يطالبون بالتحصن ضد الشفافية، وإنما بضمان أن تمارس الرقابة ضمن الحدود التي يرسمها الدستور والقانون.
وتناول نقيب هيئة الرباط أيضاً نظام المساعدة القضائية، نافياً ما يروج بشأن تدبير الهيئات للأموال المخصصة لهذا النظام.
وأوضح أن الاعتمادات المالية المتعلقة بالمساعدة القضائية تدبرها وزارة العدل عبر مصالحها المختصة، بينما ينحصر دور النقيب في توقيع قرار تعيين المحامي وفق الاختصاصات التي يحددها القانون.
وأكد أن المساعدة القضائية ليست دعماً مالياً موجهاً إلى المحامين، بل آلية قانونية لضمان حق المواطنين غير القادرين على تحمل أتعاب الدفاع في الولوج إلى العدالة والاستفادة من مؤازرة قانونية.
وأضاف أن التعويضات الممنوحة للمحامين في هذا الإطار تظل محدودة ورمزية، ولا تعكس القيمة الفعلية للخدمات المهنية التي يقدمونها لفائدة المتقاضين.
وأشار إلى أن توزيع ملفات المساعدة القضائية يتم، وفق ما أكده، بناءً على معايير تراعي التخصص والخبرة والكفاءة، بهدف ضمان دفاع فعال للمتقاضين، نافياً أن يكون التوزيع خاضعاً للعشوائية أو المحاباة.
كما أوضح أن المحامي الذي يثبت تقصيره في أداء واجبه المهني ضمن ملفات المساعدة القضائية يمكن استبعاده من الاستفادة منها مستقبلاً، حفاظاً على حقوق المتقاضين وصوناً لكرامة المهنة.
وأكد أن الهيئات تنسق في هذا المجال مع رئاسة المحاكم والمسؤولين القضائيين من أجل ضمان جودة خدمات الدفاع واحترام شروط المحاكمة العادلة.
ودعا رويبح إلى تبسيط مسطرة الاستفادة من المساعدة القضائية لفائدة الفئات الهشة، ولا سيما النساء ضحايا العنف والأشخاص الموجودين في وضعية اجتماعية صعبة، من خلال إشراك مختلف المتدخلين، بمن فيهم الجمعيات المدنية والنيابة العامة والمحامون.
واعتبر أن تعقيد المساطر قد يحول الحق في الدفاع إلى حق نظري لا تستفيد منه الفئات الأكثر حاجة، وهو ما يستوجب مراجعة الإجراءات بما يضمن ولوجاً فعلياً ومنصفاً إلى العدالة.
أما بشأن الحصانة المهنية، فقد اعتبر رويبح أن المشروع يقدم حماية تبدو، في ظاهرها، معززة لموقع المحامي، قبل أن تعود مقتضيات لاحقة لتقييدها وإفراغها من جزء كبير من مضمونها.
وحذر من أن هذا التوجه قد يؤدي إلى إنتاج محامٍ متردد في أداء رسالته، في حين أن الدفاع الفعال يفترض محامياً مستقلاً وقادراً على الترافع بحرية وجرأة داخل الحدود التي يرسمها القانون.
ولا تمثل الحصانة المهنية، في هذا السياق، امتيازاً شخصياً للمحامي، بل ضمانة مرتبطة بحق المتقاضي في دفاع مستقل، خصوصاً عندما يكون في مواجهة الإدارة أو مؤسسات قوية أو اتهامات تمس حريته وحقوقه الأساسية.
فكلما ضعفت قدرة المحامي على التعبير والترافع دون خوف من التضييق أو المتابعة، انعكس ذلك مباشرة على التوازن بين أطراف الدعوى وعلى شروط المحاكمة العادلة.
وأكد رويبح أن المحامين لا يسعون إلى خوض الصراعات، لكنهم سيواصلون الدفاع عن استقلال مهنتهم كلما فرضت عليهم المواجهة، معرباً عن أمله في أن يقود النقاش المؤسساتي إلى مراجعة المشروع بما ينسجم مع الدستور ويحافظ على مكانة المحاماة داخل منظومة العدالة.
ويكشف النقاش الدائر حول المشروع عن مواجهة بين تصورين لتنظيم المهنة: تصور يعتبر المحاماة شريكاً مستقلاً في حماية الحقوق والحريات، وتصور يمنح الدولة مجالاً أوسع في مراقبة الشؤون المالية والتنظيمية والمهنية للهيئات.
وتبقى المسألة، في جوهرها، مرتبطة بموقع الدفاع داخل منظومة العدالة؛ لأن استقلال المحامي لا يحمي صاحب البذلة السوداء وحده، بل يحمي قبل ذلك المواطن الذي يحتاج إلى دفاع حر وفعال، خصوصاً عندما يجد نفسه في مواجهة الإدارة أو الاتهام أو أي صورة من صور السلطة.
