لم يكن محمد أوجار، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، بحاجة إلى خصم سياسي يحرجه في لقاء زاكورة.
فقد تكفّل تصريح سابق له، لم تمضِ عليه سوى أشهر، بوضع خطابه الانتخابي الجديد أمام واحد من أكثر الأسئلة إزعاجاً: من كان يحكم فعلياً خلال الولاية الحكومية، الحزب الذي يطالب اليوم بتقييم حصيلته، أم الولاة والعمال و«الدولة العميقة» التي قال أوجار نفسه إنها تتحكم في القرار؟
خلال اللقاء التواصلي الذي نظمه التجمع الوطني للأحرار، السبت 18 يوليوز بزاكورة، اعتبر أوجار أن الحضور المكثف للمواطنين يعكس ثقتهم في الحزب وإيمانهم بمشروعه السياسي، مؤكداً أن الحكومة، وهي تقترب من نهاية ولايتها، ينبغي أن تُقيّم على أساس مدى وفائها بالتزاماتها.
وأدرج أوجار ضمن الحصيلة التي يدافع عنها حزبه ما قدمه باعتباره تسوية لملف الأساتذة المتعاقدين وإدماجاً لهم في الوظيفة العمومية، إلى جانب عدد من الأوراش الاجتماعية، مشيداً بما وصفها بالإنجازات التي حققها عزيز أخنوش خلال رئاسته للحزب وقيادته للحكومة.
إنه خطاب واضح الغاية: تثبيت مسؤولية «الأحرار» عن المنجز، وتحويل الانتخابات المقبلة إلى لحظة مكافأة سياسية للحزب على ما يعتبره حصيلة ناجحة.
غير أن أوجار نفسه كان قد قدم، في دجنبر 2025، تشخيصاً مختلفاً تماماً لطبيعة السلطة داخل المغرب. ففي ندوة وطنية احتضنتها كلية الحقوق بالرباط حول «تحولات الحقل الحزبي المغربي»، تحدث عن أحزاب تصل إلى الحكومة محملة بالبرامج والوعود، ثم تجد نفسها عاجزة عن تنفيذها بسبب ما سماه «بيروقراطية ثقيلة تتحكم فيها الدولة العميقة».
ولم يتوقف القيادي التجمعي عند نقد البيروقراطية المركزية، بل ذهب إلى القول إن سلطات الجماعات والجهات المنتخبة محدودة، وإن «من يدبرها فعلياً هم الولاة والعمال وممثلو الإدارة الترابية»، مضيفاً أن رئيس الجهة لا يستطيع التحرك دون استشارة ممثل السلطة.
كما طرح أوجار السؤال الأكثر حساسية: «من يحاسب العمال والولاة؟»، متسائلاً أيضاً عن الجهة التي تحاسب كبار الإدارات المدبرة للمال العام وهي تصريحات أوردها، آنذاك، موقعا «صوت المغرب» و«الجهة24»، كما تداولتها منابر إعلامية أخرى.
هنا يقع أوجار في قلب المفارقة التي حاول الخطاب الحزبي في زاكورة تجاوزها: إذا كانت الأحزاب عاجزة، والوزراء محاصرون بالبيروقراطية، والمجالس المنتخبة تُدبر فعلياً من طرف الولاة والعمال، فبأي معنى يطالب التجمع الوطني للأحرار المواطنين بمحاسبته على الحصيلة؟ وإذا كان الحزب يعتبر نفسه صاحب الإنجازات، فهل يقبل، بالمنطق نفسه، تحمّل مسؤولية الإخفاقات؟
لا يمكن للفاعل السياسي أن يكون صاحب السلطة عندما يتعلق الأمر بتوزيع الإنجازات، ثم يتحول إلى ضحية لـ«الدولة العميقة» عندما تُطرح أسئلة التعثر والمحاسبة.
فالانتخابات ليست عقداً يمنح الأحزاب حق تسجيل النقاط الناجحة باسمها، ثم يسمح لها بإحالة الملفات الثقيلة على الإدارة أو الظروف أو الجفاف أو الحكومات السابقة.
وتصبح المفارقة أكثر وضوحاً على المستوى الترابي، فالدستور المغربي يؤسس تنظيم الجهات والجماعات على مبدأ التدبير الحر، ويمنحها سلطة تنظيمية لممارسة اختصاصاتها، بينما يحدد للولاة والعمال أدواراً في تمثيل السلطة المركزية وتطبيق القانون ومساعدة رؤساء الجماعات وتنسيق المصالح اللاممركزة. وهو التوازن المنصوص عليه في الفصول 136 و140 و145 من الدستور.
لكن ما قاله أوجار لا يصف مجرد تنسيق إداري أو ممارسة طبيعية لاختصاصات ممثلي السلطة، بل يتحدث عن تدبير فعلي من طرف الولاة والعمال، وعن منتخب لا يستطيع التحرك دون استشارتهم.
وإذا كان هذا التشخيص صحيحاً، فإن الأمر لا يتعلق بتفصيل عابر، بل بسؤال دستوري وسياسي حول حقيقة التدبير الحر، وحدود سلطة المنتخبين، والجهة التي ينبغي أن تتحمل المسؤولية أمام المواطنين.
أما اعتبار امتلاء قاعة حزبية في زاكورة دليلاً على ثقة الساكنة، فيبقى استنتاجاً سياسياً لا تدعمه أرقام مستقلة. فالثقة لا تُقاس بعدد الحاضرين في لقاء تنظيمي، وإنما بالانتخابات واستطلاعات الرأي، وبالأثر الملموس للسياسات العمومية على التشغيل والصحة والتعليم والماء والنقل وفك العزلة.
كان الأجدر بأوجار، وهو يطالب بتقييم الحكومة، أن يشرح للمواطنين أولاً أين تبدأ سلطة الحزب المنتخب وأين تنتهي سلطة الإدارة الترابية، ومن اتخذ القرارات خلال السنوات الخمس الماضية، ومن عرقلها، ومن نفذها، ومن ينبغي أن يُحاسب عنها.
فالناخب لا يصوّت على «الدولة العميقة»، ولا يجد اسم الوالي أو العامل داخل ورقة التصويت. إنه يصوّت على حزب وبرنامج ومرشحين يقدمون أنفسهم باعتبارهم قادرين على الحكم.
لهذا، لا يتعلق الأمر بتصريح قديم انتهى مفعوله، بل بتناقض في صميم العرض الانتخابي الجديد للأحرار: حين تكون الحصيلة إيجابية، يصبح الحزب هو صاحب الإنجاز؛ وحين تُطرح حدود السلطة والمحاسبة، نكتشف، بلسان أحد قيادييه، أن التدبير الفعلي يوجد في مكان آخر.
فمن حكم إذن خلال هذه الولاية: الحكومة التي تريد تجديد ثقة المغاربة، أم الولاة والعمال الذين قال أوجار إنهم يدبرون فعلياً؟
ذلك هو السؤال الذي غاب عن منصة زاكورة، لكنه قد يكون أهم من جميع الشعارات التي رُفعت فوقها.
