بقلم: الباز عبدالإله
لم يكتف القانون التنظيمي رقم 53.25، الذي سيؤطر الانتخابات التشريعية المقبلة، بتشديد العقوبات المرتبطة بالجرائم الانتخابية، بل أعاد رسم الحدود القانونية الفاصلة بين من يحق له دخول مجلس النواب ومن ينبغي أن يبقى خارجه.
غير أن النص، الذي قُدّم باعتباره خطوة لتخليق الحياة السياسية وحماية ثقة المواطنين في المؤسسات، يحمل في داخله مفارقة سياسية يصعب تجاهلها: فمن جهة، أغلق باب الترشح أمام فئات لم تصدر في حق بعضها أحكام نهائية؛ ومن جهة أخرى، أعاد فتح باب الجمع بين العضوية البرلمانية ورئاسة مجالس ترابية وازنة، بعدما كان المشرّع قد أغلقه خلال انتخابات 2021 للحد من تراكم المسؤوليات والنفوذ.
القانون المنشور في الجريدة الرسمية عدد 7478 بتاريخ 29 يناير 2026، وسّع لائحة الأشخاص غير المؤهلين للترشح لعضوية مجلس النواب، لتشمل الأشخاص المتابعين إثر ضبطهم في حالة تلبس بارتكاب جناية، أو بإحدى الجنح المحددة قانوناً والمرتبطة بالمروءة والأخلاق والاستقامة وسلامة الذمة أو بنزاهة العملية الانتخابية.
كما شمل المنع الأشخاص الصادرة في حقهم أحكام استئنافية بالإدانة يترتب عنها فقدان الأهلية الانتخابية، والأشخاص المدانين ابتدائياً من أجل جنايات، إلى جانب المنتخبين الذين صدر في حقهم حكم نهائي بالعزل من مسؤولية انتدابية.
هنا لم يعد الحكم النهائي وحده هو المفتاح الذي يغلق باب البرلمان.
فالمشرّع اعتبر أن مجرد المتابعة الناتجة عن ضبط المترشح في حالة تلبس بارتكاب الأفعال المحددة قانوناً يمكن أن تشكل مانعاً من الترشح، كما اعتبر أن الحكم الابتدائي بالإدانة في جناية يكفي بدوره لحرمان المعني من خوض الانتخابات، ولو ظل الحكم قابلاً للطعن ولم يكتسب بعد قوة الشيء المقضي به.
الأكثر حساسية أن أثر التلبس لا يتوقف عند المترشح المعني وحده. فالمادة 24 تنص على وجوب رفض لائحة الترشيح أو إلغائها، بحسب الحالة، إذا ضُبط أحد أعضائها متلبساً بارتكاب جناية أو جنحة تدخل ضمن الحالات المحددة في المادة السادسة.
معنى ذلك أن واقعة قانونية مرتبطة بمترشح واحد قد تسقط لائحة بأكملها، وتخرج معها مترشحين آخرين من السباق، رغم أنهم غير معنيين بالمتابعة. وهو مقتضى قد يبدو مفهوماً من زاوية منع الأحزاب من تقديم أسماء تحوم حولها شبهات خطيرة، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً لا يقل أهمية: ما الضمانات العملية لحماية باقي أعضاء اللائحة من أداء ثمن أفعال لم يرتكبوها؟
السؤال يصبح أكثر حساسية بالنظر إلى ضيق الزمن الانتخابي وسرعة تطور الوقائع بين إيداع الترشيحات ويوم الاقتراع. فالتلبس ليس حكماً نهائياً، والمتابعة ليست إدانة، وإلغاء لائحة كاملة يمكن أن يقلب ميزان المنافسة داخل دائرة انتخابية، حتى لو انتهت القضية لاحقاً ببراءة الشخص المعني.
المحكمة الدستورية حسمت الجانب الدستوري من هذا النقاش في قرارها رقم 259/25 الصادر بتاريخ 24 دجنبر 2025. فقد اعتبرت أن قرينة البراءة تظل مكفولة للمشتبه فيه أو المتهم أمام القضاء الزجري، بينما تدخل شروط القابلية للانتخاب في نطاق التنظيم التشريعي للحقوق السياسية.
وبناءً على هذا التمييز، أقرت المحكمة بحق المشرّع في وضع موانع مؤقتة أمام الترشح، دون اشتراط صدور إدانة مكتسبة لقوة الشيء المقضي به، متى كانت هذه الموانع ضرورية ومتناسبة ومرتبطة بحماية نزاهة الاقتراع وصدق العملية الانتخابية.
من الناحية الدستورية، جرى الفصل بين أمرين: قرينة البراءة التي تظل قائمة أمام القضاء الزجري إلى حين صدور مقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، وأهلية الترشح التي أجازت المحكمة للمشرّع تقييدها مؤقتاً قبل انتهاء المسار القضائي.
لكن سلامة المقتضى دستورياً لا تغلق النقاش السياسي والحقوقي حول طريقة تطبيقه. فالقانون يمنح الإدارة والسلطات القضائية، خلال مرحلة شديدة الحساسية من التنافس، دوراً قد تكون له آثار مباشرة في بقاء اللوائح الانتخابية أو خروجها من السباق. ولذلك لن يكون التحدي الحقيقي هو وجود المقتضى في الجريدة الرسمية، بل ضمان تطبيقه بالمعايير نفسها على جميع المترشحين، بعيداً عن الانتقائية والحسابات السياسية.
التشدد شمل أيضاً المنتخبين المعزولين، إذ رفع القانون مدة منعهم من الترشح من ولاية انتخابية واحدة إلى مدتين انتدابيتين كاملتين، تحتسبان ابتداء من التاريخ الذي يصبح فيه حكم العزل نهائياً.
هذا المقتضى يحمل رسالة واضحة إلى المنتخبين الذين صدرت في حقهم أحكام نهائية بالعزل من مسؤولياتهم الانتدابية: العزل لن يعود مجرد نهاية مؤقتة لمهمة محلية، يعقبها رجوع سريع من بوابة انتخابات أخرى، بل سيصبح مانعاً يمتد لولايتين كاملتين.
كما ضاعف القانون المدد المتعلقة بعدد من أطر وموظفي الدولة. فأصبحت بعض الفئات غير مؤهلة للترشح على الصعيد الوطني إذا كانت قد توقفت عن مزاولة مهامها منذ أقل من سنتين في تاريخ الاقتراع، بعدما كانت المدة محددة في سنة واحدة. وارتفعت مدة المنع داخل دوائر النفوذ التي مارس فيها المعنيون مهامهم من سنتين إلى أربع سنوات.
وأُدرج ضمن هذه الفئات رجال السلطة وأعوان السلطة والأطر والموظفون التابعون لوزارة الداخلية أو العاملون بها بمختلف هيئاتهم، في خطوة يفترض أنها تهدف إلى تحصين حياد الإدارة الترابية ومنع استثمار النفوذ الإداري وشبكات العلاقات المهنية في المنافسة الانتخابية.
إلى هنا يبدو اتجاه القانون واضحاً: رفع كلفة الدخول إلى مجلس النواب، وتوسيع دائرة الوقاية، وإبعاد من يمكن أن تشكل أوضاعهم القضائية أو الإدارية مصدراً لعدم الاطمئنان إلى نزاهة الاقتراع.
غير أن الاتجاه يتغير عندما نصل إلى المادة الثالثة من القانون، التي نسخت المادة 26 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب.
المادة الملغاة كانت تمنع الجمع بين صفة نائب برلماني ورئاسة مجلس عمالة أو إقليم، أو رئاسة مجلس جماعة يتجاوز عدد سكانها 300 ألف نسمة. وكان هذا القيد قد اعتُمد خلال انتخابات 2021 ضمن توجه يرمي إلى الحد من تراكم الانتدابات والمسؤوليات الكبرى في يد الشخص نفسه.
بنسخ المادة 26، أصبح ممكناً من جديد أن يجمع النائب البرلماني بين مقعده في المؤسسة التشريعية ورئاسة مجلس عمالة أو إقليم أو جماعة كبرى، مع بقاء حالات تنافٍ أخرى، أبرزها عدم جواز الجمع بين العضوية في مجلس النواب ورئاسة مجلس جهة، وعدم جواز الجمع مع أكثر من رئاسة واحدة من بين الهيئات الترابية والمهنية المحددة في القانون.
التعديل لا يفتح الباب أمام جمع غير محدود للمناصب، لكنه يتراجع بوضوح عن قيد سياسي وتنظيمي كان يفترض أن يوزع المسؤوليات ويمنع احتكارها.
قد يقول المدافعون عن هذا الاختيار إن رؤساء المجالس الكبرى يملكون خبرة ميدانية في تدبير المدن والميزانيات والمرافق العمومية، وإن حضورهم داخل البرلمان يمكن أن يساعد في تحسين التشريع وربط القوانين بحاجات الجماعات الترابية.
غير أن الحجة المقابلة لا تقل قوة: هل يعاني المغرب فعلاً من نقص في الكفاءات إلى درجة الاضطرار إلى وضع البرلمان والمجالس الكبرى في يد الشخصيات نفسها؟ وهل يمكن لمسؤول واحد أن يراقب الحكومة ويشرّع داخل مجلس النواب، وفي الوقت نفسه يدبر مجلساً ترابياً ضخماً بميزانيته وصفقاته ومرافقه واختصاصاته المتشعبة؟
ثم إن الجمع بين المنصبين لا يتعلق بالوقت والقدرة على التدبير فقط، بل بتراكم النفوذ السياسي والانتخابي. فرئيس جماعة كبرى أو مجلس عمالة أو إقليم يتوفر على حضور محلي وشبكات ممتدة وعلاقات مؤسساتية وإمكانيات تأثير لا تتوفر للمترشح العادي.
وعندما يضاف إلى ذلك مقعد برلماني، تتقاطع سلطة التدبير الترابي مع سلطة التشريع والرقابة والتمثيل السياسي.
هنا تظهر المفارقة التي يتعين على المشرّع والأحزاب تفسيرها للمواطنين: لماذا اعتُبر الحد من الجمع بين هذه المسؤوليات ضرورياً سنة 2021، ثم لم يعد ضرورياً في انتخابات 2026؟ وما الذي تغير خلال ولاية واحدة حتى ينتقل الخطاب من توزيع المسؤوليات ومحاربة تراكم الانتدابات إلى الحديث عن الاستفادة من «الكفاءات والخبرات»؟
القانون الجديد يرفع شعار التخليق عندما يتعلق الأمر بالمتابعين والمدانين والمعزولين، لكنه يتبنى منطق المرونة عندما يصل إلى أصحاب المناصب والنفوذ الترابي.
يشدد شروط دخول بعض الأشخاص إلى البرلمان، ثم يوسع المجال أمام آخرين للجمع بين البرلمان ورئاسة مجالس كبيرة.
قد تكون جميع هذه الاختيارات قانونية، وقد أعلنت المحكمة الدستورية مطابقة القانون للدستور، لكن الدستورية لا تعني بالضرورة أن النقاش السياسي انتهى، ولا أن كل اختيار تشريعي أصبح محصناً من النقد.
الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد اللوائح التي سترفض، ولا في عدد المترشحين الذين سيُبعدون بسبب المتابعة أو الإدانة أو العزل.
الاختبار سيكون في قدرة الدولة والأحزاب على إثبات أن التخليق ليس أداة انتقائية لإغلاق الطريق أمام خصوم وفتحها أمام أصحاب النفوذ، وأن محاربة الفساد الانتخابي لا تنفصل عن محاربة احتكار المناصب وتراكم السلطة.
فإذا كان الهدف فعلاً هو استعادة ثقة المواطنين، فلا يكفي أن يُمنع المتلبسون من الوصول إلى البرلمان.
المطلوب أيضاً ألا يتحول البرلمان إلى منصب إضافي في السيرة السياسية لمن يجمعون السلطة الترابية والانتخابية والتشريعية في يد واحدة.
