بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن الاتفاق على استئناف القمم الحكومية بين إسبانيا والجزائر أبرز ما حملته زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، اليوم الاثنين 20 يوليوز 2026.
فالدلالة السياسية الأهم تكمن في أن مدريد أعادت بناء قنوات الحوار مع الجزائر، من دون أن تعلن أي مراجعة لموقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حرص، خلال التصريحات التي أعقبت مباحثاته مع سانشيز، على إدراج ملف الصحراء المغربية ضمن القضايا الإقليمية والدولية التي تناولها اللقاء، إلى جانب تطورات فلسطين وليبيا ومنطقة الساحل والخليج.
غير أن رئيس الحكومة الإسبانية لم يساير هذا التوجه في ظهوره الإعلامي، واختار عدم التطرق إلى الملف، من دون أن يقدم أي تصريح يفيد بتراجع مدريد عن موقفها المعتمد منذ سنة 2022 أو بإعادة النظر في طبيعة شراكتها الاستراتيجية مع المغرب.
وقد سجلت صحيفة «إلباييس» أن تبون ذكر الملف، بينما تجنبه سانشيز في كلمته المقتضبة.
ولم يقتصر هذا التباين على التصريحات الشفوية، فالخطاب الإسباني ركز على إعادة تنشيط الحوار السياسي، والتحضير لعقد الاجتماع الثامن رفيع المستوى بين الحكومتين خلال شهر أكتوبر المقبل، وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والصناعة والبنية التحتية والأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والبحث العلمي والتكنولوجيا.
كما ركز سانشيز على مكانة الجزائر باعتبارها بلداً جاراً وشريكاً استراتيجياً ومورداً أساسياً للطاقة، وعلى المصالح المشتركة المرتبطة بالمتوسط ومنطقة الساحل والاستقرار الإقليمي، من دون الإعلان عن أي تحول في موقف بلاده من الصحراء المغربية.
ولا يمكن قراءة هذا الصمت الإسباني بمعزل عن الموقف الذي أعلنته مدريد منذ أبريل 2022، عندما اعتبرت المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى حل سياسي متوافق بشأنه.
ذلك التحول أنهى عملياً ما كان يوصف بالحياد الإسباني التقليدي، وتسبب في أزمة دبلوماسية حادة مع الجزائر، التي جمدت معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون، وفرضت قيوداً أثرت بصورة مباشرة في المبادلات التجارية والعلاقات الاقتصادية بين البلدين.
غير أن مدريد لم تعد إلى موقفها السابق حتى بعد سنوات الأزمة. وقبيل زيارة سانشيز، أكدت مصادر حكومية إسبانية أن موقف إسبانيا ينسجم مع آخر قرار لمجلس الأمن بشأن الملف، وهو القرار رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي جدد ولاية بعثة «المينورسو» إلى غاية 31 أكتوبر 2026 ومنح زخماً إضافياً للمسار السياسي ولمقترح الحكم الذاتي المغربي.
بعد أربع سنوات من التوتر، استعادت الجزائر الحوار السياسي مع الحكومة الإسبانية، ووافقت على التحضير لأول اجتماع رفيع المستوى بين الحكومتين منذ سنة 2018، من دون أن تحصل على إعلان إسباني بالتراجع عن الموقف الذي كان سبباً مباشراً في اندلاع الأزمة.
وتكشف نتائج الزيارة أن المصالح الاقتصادية والطاقية دفعت البلدين إلى تجاوز مرحلة القطيعة، مع إبقاء الخلاف المتعلق بالصحراء المغربية خارج الخطاب الإسباني الرسمي.
فالجزائر تسعى إلى رفع مستوى التعاون الاقتصادي، واستعادة الاستثمارات والشركات الإسبانية، وتعزيز صادراتها من الغاز، وتسوية الملفات العالقة المرتبطة بالمبادلات التجارية ومستحقات بعض المقاولات.
في المقابل، تبحث مدريد عن تأمين إمدادات الطاقة، واستعادة حضور شركاتها داخل السوق الجزائرية، وتوسيع التعاون في مجالات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والماء والنقل والهندسة والتكنولوجيا.
وأعلن الطرفان اتفاقهما السياسي على رفع إمدادات الغاز الجزائري إلى إسبانيا، سواء عبر استغلال الطاقة الإضافية المتاحة في أنبوب «ميدغاز» أو من خلال زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال.
كما يرتقب أن تستضيف إسبانيا خلال أكتوبر المقبل الاجتماع الحكومي الذي يُنتظر أن يدفع نحو استكمال تطبيع العلاقات الثنائية.
غير أن إعادة ترتيب هذه المصالح لم تتم على حساب الشراكة المغربية الإسبانية، ولم تترجم إلى مراجعة معلنة لموقف مدريد من الصحراء المغربية.
وتبرز هنا مفارقة سياسية لافتة: الجزائر أعادت فتح قنواتها مع إسبانيا، ووافقت على استئناف القمم الحكومية والتعاون الاقتصادي، بينما بقي موقف مدريد الداعم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي من دون تغيير معلن.
ولا يعني ذلك أن الخلاف بين الجزائر وإسبانيا حول الصحراء المغربية قد انتهى، أو أن الملف خرج نهائياً من المباحثات الثنائية. لكنه يكشف أن الجزائر أصبحت تتعامل، عملياً، مع هذا الخلاف بصورة منفصلة عن مصالحها الاقتصادية والطاقية، بعدما لم يؤد استمرار القطيعة إلى دفع مدريد نحو مراجعة موقفها.
أما المغرب، فلا يحتاج إلى النظر إلى استئناف العلاقات الإسبانية الجزائرية باعتباره بديلاً عن شراكته مع مدريد.
فالعلاقات الدولية لا تقوم على احتكار الشركاء، بل على وضوح المواقف واستمرار الالتزامات وحماية المصالح الاستراتيجية.
وحتى الآن، لم تحمل زيارة سانشيز إلى الجزائر أي إعلان يمس جوهر التقارب السياسي بين الرباط ومدريد، كما لم يصدر عن الحكومة الإسبانية ما يفيد بتراجعها عن دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
تبون وضع ملف الصحراء المغربية على الطاولة، لكن سانشيز لم يمنح الجزائر تحولاً دبلوماسياً يمكن تقديمه باعتباره مكسباً سياسياً.
الجزائر استعادت الحوار والمصالح مع مدريد، بينما احتفظ المغرب بالأهم: استمرار الموقف الإسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي من دون تراجع معلن.
