بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد شبهة تبديد المال العمومي مرتبطة دائماً بصفقات ضخمة أو أوراش متعثرة تلتهم الملايير، فقد تكفي جمعية لا وجود فعلياً لأنشطتها، وملف مزين بمشاريع على الورق، ومقرر يصادق عليه مجلس جماعي، حتى تنتقل عشرات الآلاف من الدراهم من ميزانية المواطنين إلى حسابات لا يعرف الرأي العام كيف صُرفت أموالها ولا ماذا أنجزت مقابلها.
معطيات نشرتها جريدة «هسبريس»، اليوم الأربعاء 22 يوليوز 2026، استناداً إلى مصادر وصفتها بجيدة الاطلاع، أفادت بأن تسريبات من تقارير أعدتها لجان تفتيش تابعة للمجالس الجهوية للحسابات بجهات الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة ومراكش-آسفي وفاس-مكناس أثارت استنفاراً رقابياً، بعدما كشفت عن تسلل ما وُصف بـ«جمعيات أشباح» إلى قنوات الدعم العمومي، وحصولها على منح مالية بملايين الدراهم بموجب مقررات صادقت عليها مجالس جماعية خلال دورات عادية واستثنائية.
خطورة المعطيات لا تقف عند ضعف نشاط بعض الجمعيات أو سوء تدبيرها، بل تمتد، وفق المصدر نفسه، إلى وجود مشاريع وبرامج واتفاقيات شراكة استُعملت لتبرير طلبات الدعم، قبل أن يتبين للمفتشين غياب أي أثر فعلي لها على أرض الواقع.
بمعنى أكثر وضوحاً، يتعلق الأمر، وفق ما أوردته هسبريس، بأموال عمومية مُنحت لجمعيات قدمت مشاريع على الورق، بينما لم يظهر للمفتشين أثر فعلي يثبت إنجازها ميدانياً.
عمليات التدقيق شملت ملفات طلبات الدعم، والوثائق المرفقة بها، واتفاقيات الشراكة، والأنشطة المصرح بإنجازها.
وأظهرت، بحسب المصادر ذاتها، غياب اتفاقيات تؤطر صرف بعض المنح المدرجة في ميزانيات الجماعات، إلى جانب تكرار استفادة جمعيات بعينها دون تقديم حصيلة لأنشطتها أو تقارير مالية توضح أوجه إنفاق الأموال التي حصلت عليها.
ولم يتوقف الأمر عند غياب التقارير والحصيلة، إذ رصدت لجان التفتيش أيضاً مؤشرات على تضخيم البيانات الواردة في ملفات طلبات الدعم، ما يفتح السؤال حول طبيعة المعلومات التي قُدمت إلى المجالس الجماعية، والجهات التي تحققت منها، والمعايير التي اعتمدت قبل التصويت على تحويل المال العام إلى الجمعيات المستفيدة.
الأخطر أن معطيات حسابية واردة في ملحقات البيانات المالية لبعض الجماعات كشفت استفادة جمعيات من الدعم العمومي مرتين خلال سنة مالية واحدة.
واستند المفتشون، وفق هسبريس، إلى إشعارات تحويل مكررة تراوحت قيمة كل دفعة منها بين 25 ألفاً و50 ألف درهم.
قد تبدو هذه الأرقام محدودة إذا قورنت بميزانيات المشاريع الكبرى، لكنها تكتسب خطورتها من احتمال تكرارها داخل جماعات متعددة ولفائدة جمعيات مختلفة، ومن كونها لا تتعلق بنفقات طارئة، بل بآلية يفترض أن تخضع للتدقيق قبل تحويل أي درهم من المال العمومي.
الاستفادة المكررة لا تكشف فقط احتمال حصول جمعية على دعم مزدوج، بل تطرح سؤالاً مباشراً حول منظومة المراقبة الداخلية: كيف مر التحويل الثاني؟ ومن راجع لوائح المستفيدين؟ وهل يتعلق الأمر بخطأ محاسبي، أم بقرار متعمد، أم بمنظومة دعم تفتقر أصلاً إلى قاعدة بيانات تمنع التكرار؟
تقارير التفتيش، بحسب المصدر ذاته، لم تعتمد على الوثائق الحسابية وحدها، بل استعانت أيضاً بمعطيات تضمنتها شكايات وتظلمات تقدم بها منتخبون وجمعيات قالت إنها أُقصيت من الدعم دون مبرر واضح.
هذه الشكايات تحدثت عن تحول بعض «جمعيات الأشباح» إلى واجهات لتمرير الدعم خارج الضوابط التنظيمية والإدارية، رغم غياب حضور فعلي لها أو مشاريع ملموسة يمكن معاينتها. وهو ما يجعل الملف أكبر من مجرد خلاف بين جمعيات حول توزيع المنح، لأنه يثير احتمال استعمال العمل الجمعوي غطاءً لتوجيه المال العام وفق الولاءات والعلاقات والنفوذ المحلي.
حين تحصل جمعية لا أنشطة لها على الدعم، بينما تُقصى جمعية تتوفر على سجل ميداني وبرنامج قابل للتنفيذ، لا يعود الأمر مجرد خلل تقني في دراسة الملفات، بل يتحول إلى مساس بمبدأ المساواة، وإهدار لفرص كان يمكن أن تمول مشاريع اجتماعية أو ثقافية أو رياضية حقيقية لفائدة السكان.
خلاصات التقارير الأولية المجمعة دفعت قضاة الحسابات، وفق ما نشرته هسبريس، إلى تعميق أبحاثهم بشأن مسارات صرف المنح، والتحقق من مدى احترام الجماعات لمقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، تمهيداً لحصر المسؤوليات الإدارية والمالية وترتيب الآثار القانونية على الاختلالات التي يثبتها الافتحاص.
ولا يقتصر الإطار المنظم لهذا الدعم على القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات، بل يشمل أيضاً دورية وزير الداخلية الصادرة في 5 أبريل 2018 حول دعم الجمعيات من طرف الجماعات الترابية وإبرام اتفاقيات التعاون والشراكة معها، إلى جانب منشور رئيس الحكومة رقم 13/2022 المتعلق بكيفيات تقديم الحساب السنوي الخاص باستخدام الأموال والمساعدات العمومية التي تتلقاها الجمعيات.
وجود هذه النصوص يعني أن منح المال للجمعيات لا يفترض أن يكون هبة سياسية أو مجاملة انتخابية، بل تمويلاً مرتبطاً بمشروع محدد، والتزامات واضحة، ووثائق محاسبية، وتقارير تثبت كيفية استعمال الدعم والنتائج المحققة.
المسؤولية المحتملة لا تتوقف، لذلك، عند مكاتب الجمعيات التي قدمت بيانات غير صحيحة أو أعلنت أنشطة لا وجود لها، إذا ثبت ذلك بصورة نهائية، بل قد تمتد إلى كل من شارك في دراسة الملفات والمصادقة على المنح وتنفيذ التحويلات ومراقبة صرفها.
المجلس الجماعي يصادق على الاعتمادات، والرئيس ينفذ المقررات، والمصالح الإدارية والمالية تعالج الوثائق والتحويلات، والسلطات المختصة تمارس أدوار الرقابة المنصوص عليها قانوناً. ولهذا فإن اختزال الملف في عبارة «جمعيات أشباح» قد يحجب الطرف الآخر من المعادلة: من فتح لهذه الجمعيات أبواب الميزانيات العمومية؟
المثير أن عمال العمالات والأقاليم سبق، بحسب المصدر نفسه، أن وجهوا تنبيهات إلى رؤساء الجماعات، بناء على توجيهات من المصالح المركزية المختصة بوزارة الداخلية، تدعو إلى الاحتراز في التعامل مع الجمعيات المشبوهة، والتحقق من وجودها الفعلي، وسجل مشاريعها السابقة، وبرامجها وأطرها وكفاءاتها قبل منحها الدعم.
إذا كانت هذه التنبيهات قد وُجهت فعلاً قبل صرف المنح موضوع الافتحاص، فإن السؤال يصبح أكثر إحراجاً: هل تجاهلت بعض الجماعات تحذيرات وزارة الداخلية؟ وهل جرى تمويل الجمعيات رغم وجود مؤشرات سابقة بشأن ضعف حضورها أو غياب برامجها؟
المعطيات المنشورة تفتح ملفاً رقابياً وسياسياً مهماً، لكنها تظل، إلى حدود الساعة، مبنية على مصادر وتسريبات من تقارير أولية، دون نشر أسماء الجماعات والجمعيات المعنية، أو القيمة الإجمالية الدقيقة للمنح، أو الفترات المالية التي شملها التدقيق. كما لم تتضمن المادة المنشورة أجوبة رؤساء المجالس أو الجمعيات التي قد تكون معنية بالملاحظات.
لذلك، لا تسمح المعطيات المتاحة بإدانة جمعية أو مسؤول بعينه، ولا بالجزم بوجود مسؤوليات جنائية قبل استكمال الأبحاث وصدور تقارير نهائية وقرارات الجهات القضائية المختصة.
لكنها تكفي لطرح مطلب بسيط ومشروع: نشر اللوائح والاتفاقيات والمبالغ والحصائل، بدل ترك المال العمومي عالقاً بين تسريبات مجهولة وأسماء محجوبة.
فإذا كانت «جمعيات الأشباح» قد حصلت فعلاً على ملايين الدراهم، فإن كشف وجودها ليس سوى نصف المهمة.
أما النصف الآخر، فهو معرفة أسماء من أنشأها أو يمثلها، والجماعات التي مولتها، والمنتخبين الذين صوتوا لفائدتها، والمسؤولين الذين وقعوا التحويلات، والمشاريع التي لم تُنجز، ثم تحديد كيفية استرجاع الأموال إذا ثبت صرفها دون وجه حق.
المال العمومي لا يصبح بلا صاحب بمجرد دخوله حساب جمعية، ولا تسقط المسؤولية بمجرد تمرير المنحة داخل دورة جماعية. والمواطن الذي يمول هذه الميزانيات من الضرائب والرسوم لا
يحتاج إلى معرفة أن «أشباحاً» استفادت فقط، بل من صنع لها الملفات، ومن فتح لها الخزائن، ومن راقبها، ومن سيحاسبها؟
