بقلم: الباز عبدالإله
وضعت معطيات رسمية واحدة من أكثر آليات تمويل الميزانية إثارة للأسئلة تحت الضوء، بعدما كشف المجلس الأعلى للحسابات أن الدولة عبّأت نحو 109.6 مليارات درهم خلال ست سنوات، عبر تفويت أصول عقارية مملوكة لها لفائدة أطراف مؤسساتية، قبل أن تواصل استغلال البنايات نفسها بموجب عقود كراء طويلة الأمد.
ولا تتوقف المفارقة عند تفويت أصول عمومية ثم العودة إلى اكترائها، بل تمتد إلى غياب معلومات مفصلة داخل الوثائق الميزانياتية بشأن التحملات الكرائية السنوية المرتبطة بهذه العمليات، بما يحول دون احتساب كلفتها الإجمالية وتقدير آثارها المستقبلية على نفقات تسيير الدولة، وفق ما سجله المجلس.
ووردت هذه المعطيات في تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، المنشور رسمياً يوم 8 يوليوز 2026، ضمن محور خصصه قضاة الحسابات لتحليل المداخيل غير الجبائية وما وصفوه بـ«ارتهان الموارد المختلفة بآلية التمويلات المبتكرة».
وبحسب التقرير، شرعت الحكومة منذ سنة 2019 في توظيف هذه الآلية، القائمة على تفويت أصول عقارية مملوكة للدولة لفائدة أطراف مؤسساتية، مع الاحتفاظ بحق استعمالها في إطار عقود كراء طويلة الأمد مقابل أداء إيجارات سنوية.
وتتألف الأصول المعنية أساساً من بنايات مستعملة من طرف مؤسسات التعليم والتكوين، ومؤسسات صحية، إلى جانب مبانٍ ذات استعمال إداري.
وبلغة مالية مبسطة، تحصل الدولة على سيولة فورية مقابل نقل ملكية الأصل العقاري إلى طرف مؤسساتي، لكنها لا تغادر البناية، بل تستمر في استعمالها وتتحول من مالك لها إلى مكتَرٍ يؤدي مقابلاً سنوياً عن استغلالها.
ومكنت هذه العمليات من تعبئة مبالغ متصاعدة، بدأت بحوالي 9.4 مليارات درهم سنة 2019، ثم تراجعت إلى 2.6 مليار سنة 2020، قبل أن ترتفع إلى 11.9 ملياراً سنة 2021، و25.1 ملياراً سنة 2022، و25.4 ملياراً سنة 2023، لتبلغ 35.3 مليار درهم خلال سنة 2024 وحدها.
وبلغ مجموع الأموال المعبأة بواسطة هذه الآلية، وفق الرقم الرسمي الذي أورده المجلس استناداً إلى معطيات التقرير السنوي لبنك المغرب، نحو 109.6 مليارات درهم خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2024.
ويكتسي مبلغ 35.3 مليار درهم المحصل سنة 2024 أهمية خاصة، بالنظر إلى مساهمته، إلى جانب ارتفاع المداخيل الجبائية وموارد التسوية الطوعية للوضعية الجبائية والضبط النسبي للنفقات، في خفض عجز الميزانية إلى 61.5 مليار درهم، أي 3.8 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مقابل 4.3 في المائة سنة 2023.
غير أن الأموال المحصلة لا تقدم الصورة المالية كاملة، لأن الدولة تلتزم، بعد تفويت الأصول، بأداء إيجارات عن المنشآت التي تواصل استخدامها، ما يحول العملية من مورد فوري للميزانية إلى نفقات سنوية متكررة قد تمتد لسنوات.
وسجل المجلس أن الوثائق الميزانياتية المتعلقة بقوانين المالية لا تتضمن معلومات حول التحملات الكرائية السنوية المرتبطة بهذه الآلية، بما يحول دون تقدير أثر الإيجارات على نفقات التسيير المستقبلية وقياس التكلفة الإجمالية التي ستتحملها الميزانية بسبب تفويت الأصول واستمرار الدولة في استعمالها بالكراء.
كما لا تقدم الوثائق المرافقة لقوانين المالية توزيعاً سنوياً مفصلاً لمداخيل التمويلات المبتكرة، ولا تكشف بصورة كافية الفرضيات المعتمدة لتحديد المبالغ المرتقب تعبئتها، باستثناء معلومات عامة ترد ضمن البرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات والتقرير الاقتصادي والمالي.
وتسجل مداخيل هذه الآلية أولاً داخل الحساب الخصوصي للخزينة المخصص لاستبدال أمالك الدولة، قبل تحويل جزء منها إلى الميزانية العامة وتسجيله ضمن المداخيل غير الجبائية.
لكن المجلس نبه إلى أن هذه الموارد تظل خارج نطاق التوقعات الميزانياتية، إذ لا تدرج مسبقاً ضمن تقديرات موارد الحسابات الخصوصية للخزينة أو موارد الميزانية العامة، رغم الحجم الكبير الذي بلغته خلال السنوات الأخيرة.
وتظهر محدودية الاعتماد المستمر على هذه الأموال في المراجعات التنازلية التي طالت توقعاتها، بعدما كانت البرمجة الميزانياتية للفترة 2024–2026 تراهن على تعبئة 35 مليار درهم سنوياً، قبل أن تنخفض التوقعات إلى 20 ملياراً سنة 2026 و15 ملياراً سنة 2027 ضمن البرمجة الخاصة بالفترة 2026–2028.
واعتبر المجلس أن هذا التراجع، إلى جانب محدودية مخزون الأصول العمومية القابلة لمثل هذه العمليات، يؤكد الطابع الظرفي وغير المستدام لهذا المصدر من العائدات.
فالدولة لا تستطيع تفويت الأصول نفسها بصورة متكررة، بينما تستمر الإيجارات المترتبة عن العمليات السابقة في التحول إلى نفقات سنوية تؤدى من الميزانية.
وأوضح المجلس أنه رغم قدرة هذه العمليات على توفير مصادر تمويلية مهمة والمساهمة في خفض عجز الميزانية، فإنها تشكل بطبيعتها موارد غير مستدامة، كما تتولد عنها نفقات متزايدة ومتكررة.
ودعا قضاة الحسابات إلى دعم هذه الآلية بدراسة جدوى توضح الرؤية على المديين المتوسط والطويل، وتستند إلى تحليل النتائج والتكاليف المرتبطة بها، مع رصد الآفاق المستقبلية وتحديد المخاطر القانونية والمالية وطرق التحكم فيها.
وزارة الاقتصاد والمالية، من جهتها، أوضحت أن برمجة عمليات التمويل المبتكر تظل ذات طابع تقديري، على غرار باقي الحسابات المرصدة لأمور خصوصية.
وأكدت الوزارة أن تحسن الإيرادات الضريبية وتوفيرها هوامش مالية لتمويل المشاريع الهيكلية والأوراش ذات الأولوية سيمكنان من تقليص اللجوء إلى هذه الآلية تدريجياً، إلى أن تصل مداخيلها، وفق توقعات البرمجة الميزانياتية للفترة 2026–2028، إلى صفر درهم سنة 2028.
غير أن جواب الوزارة تضمن بدوره معطى يؤكد استمرار الكلفة المترتبة عن العمليات السابقة، بعدما أوضحت أنه يجري رفع سقف تحملات الحساب الخصوصي للخزينة المخصص لاستبدال أمالك الدولة كلما دعت الضرورة، من أجل تسديد التحملات الكرائية السنوية.
ولا يتحدث التقرير عن اختلاس أو تفويت غير قانوني، كما لا يصدر حكماً نهائياً بعدم جدوى العمليات، لكنه يضع المالية العمومية أمام سؤال يصعب تجاوزه: هل تشكل 109.6 مليارات درهم مورداً ناجعاً لصالح الدولة، إذا كان الحصول عليها يرتب إيجارات طويلة الأمد لا تظهر كلفتها الإجمالية في وثائق الميزانية؟
فتفويت الأصل يمنح الخزينة سيولة فورية ويساعد على تخفيض العجز في السنة نفسها، لكن استمرار الإدارة في استعماله يعني أن الميزانية ستؤدي مقابلاً سنوياً عن بناية كانت مملوكة أصلاً للدولة.
ولا يتعلق السؤال بمشروعية الآلية فقط، بل بكلفتها النهائية: كم قبضت الدولة مقابل الأصول؟ وكم ستؤدي لاستعمالها طوال مدة العقود؟
وبدون نشر قيمة الإيجارات السنوية ومدد الالتزام والقيمة الحقيقية للأصول المفوتة، ستظل 109.6 مليارات درهم مورداً فورياً ظاهراً، في مقابل فاتورة مستقبلية لا تظهر صورتها الكاملة داخل وثائق المالية.
