هاجم الصحفي علي أنوزلا صمت الحكومة والإعلام الرسمي إزاء موجة توجه آلاف الشباب والنساء والقاصرين نحو شمال المغرب، في محاولة للوصول إلى مدينة سبتة المحتلة، معتبراً أن ما يجري ليس مجرد أزمة هجرة غير نظامية، بل تعبير عن أزمة سياسية واجتماعية عميقة وفشل متراكم لمنظومة الحكم خلال العقود الماضية.
وقال أنوزلا، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، إن آلاف المغاربة يتجهون منذ ثلاثة أيام نحو الشمال، بعدما قطع بعضهم مئات الكيلومترات مشياً على الأقدام قادمين من الدار البيضاء وبني ملال وآسفي ومدن أخرى، للوصول إلى سبتة «ليس من أجل استرجاعها، وإنما من أجل اللجوء إليها هرباً من القهر والفقر والحكرة».
وانتقد الصحفي غياب أي تواصل رسمي بشأن حقيقة ما يجري على الحدود الشمالية وعدد القتلى والمفقودين، متسائلاً عن جدوى وجود حكومة وناطق رسمي باسمها ووزراء يتقاضون أجورهم من أموال دافعي الضرائب، بينما لا ينتقلون إلى مكان الأحداث ولا يظهرون أمام وسائل الإعلام لتقديم التوضيحات وإطلاع المواطنين على تطورات الوضع.
وكتب أنوزلا: «ما معنى أن تكون عندنا حكومة وناطق رسمي باسمها ووزراء يتقاضون رواتبهم من أموال دافعي الضرائب، ولا يخرجون إلى الإعلام وينتقلون إلى مكان الحدث، كما يحدث في الجارة إسبانيا، للتوضيح والشرح والإقناع؟».
ووجه انتقادات حادة إلى الإعلام الرسمي، معتبراً أنه تجاهل ما وصفه بـ«أكبر مأساة يعيشها الآلاف من المغاربة اليائسين والقانطين والمحبطين»، رغم الأموال العمومية التي تُصرف عليه، في وقت تتواصل فيه صور محاولات العبور والغرق والمفقودين.
وتساءل أنوزلا عن معنى هروب كل هؤلاء الشباب والشابات من بلد يصفه كبار مسؤوليه وخطابه الرسمي بأنه «بلد صاعد» و«أجمل بلد في العالم»، بينما لا يرى جزء من شبابه طريقاً للنجاة سوى المخاطرة بأجسادهم في البحر هرباً من الفقر والتهميش وانسداد الأفق.
وربط صاحب التدوينة موجة الهجرة بالانتخابات التشريعية المرتقبة، متسائلاً عن معنى تنظيم الانتخابات في بلد تحولت فيه المؤسسات المنتخبة، بحسب تعبيره، من حكومة وبرلمان ومجالس جماعية ومجالس مدن وعمالات، إلى «مؤسسات للريع والفساد والنهب».
واعتبر أن احترام أرواح الضحايا والمفقودين كان يقتضي تعليق الاحتفالات الممولة من المال العام، وفتح نقاش سياسي واسع بشأن مسؤولية الحكومة والمؤسسات، بدلاً من التعامل مع الأحداث وكأنها واقعة حدودية عابرة.
ودعا أنوزلا إلى إعفاء الحكومة ومحاسبة المسؤولين عن الفساد، وفتح نقاش عمومي حول إصلاح سياسي ودستوري واجتماعي تشارك فيه مختلف القوى، لمعالجة الأسباب التي تدفع آلاف الشباب إلى فقدان الأمل والمغامرة بحياتهم في البحر.
وأكد أن ما يقع في شمال المغرب ليس جديداً أو طارئاً، بل امتداد لأزمة عميقة تنخر المجتمع، واستمرار لموجات الهجرة التي شهدها المغرب خلال سنتي 2021 و2024، كما ربطه بغضب الشباب واحتجاجات ما يُعرف بـ«جيل زد».
وقال إن أغلب الشباب الذين يظهرون اليوم في محيط سبتة وُلدوا وفتحوا أعينهم خلال حكم الملك محمد السادس، معتبراً أن الصور والفيديوهات والتصريحات القادمة من المنطقة تطرح أسئلة ثقيلة بشأن حصيلة سبعة وعشرين عاماً من السياسات العمومية.
وأضاف أن الأحداث جاءت عشية خطاب ملكي انتقد أصحاب «نزعات التيئيس والعدمية» واتهمهم بنشر الإحباط، قبل أن يرد أنوزلا بأن المشكلة ليست في من يتحدثون عن اليأس، بل في السياسات والمؤسسات التي تصنعه وتدفع الشباب إلى الهروب.
وكتب: «الإحباط واليأس والعدمية كلها صناعات مغربية رسمية، صنعتها حكومات وبرلمانات ومجالس منتخبة ومعينة فاسدة».
واتهم أنوزلا منظومة الحكم بالرهان على الاستثمار في الإسمنت والحديد لخدمة المصالح الخاصة، بدلاً من الاستثمار في الإنسان والتعليم والصحة والشغل، كما انتقد ما وصفه بالاعتماد على المقاربة الأمنية لقهر المجتمع وتكميم المنتقدين وكبح طموحات الشباب، والاستعانة بإعلام رسمي وشبه رسمي لتزيين الواقع.
ووصف النظام بأنه احتكر السلطة والمال والإعلام والسياسة والثروات المعدنية والبحرية، وأحاط نفسه، وفق تعبيره، بـ«أوليغارشية من المفسدين والفراقشية والوصوليين والانتهازيين والمطبلين».
وأشار أنوزلا إلى أن ثمانية عشر شاباً لقوا حتفهم، وفق الأرقام التي أوردها في تدوينته، بينما لا يزال عدد المفقودين مجهولاً، في وقت يستعد فيه آلاف آخرون لخوض المغامرة نفسها، متسائلاً: «فمن يدق ناقوس الخطر قبل أن يغرق الجميع؟».
وختم تدوينته بالتأكيد أن الهروب الجماعي نحو سبتة «ليس مجرد موجة هجرة جماعية، بل أكبر استفتاء شعبي على فشل منظومة الحكم والتحكم طيلة العقود الثلاثة الماضية»، داعياً إلى مراجعة شاملة للسياسات والمؤسسات «قبل فوات الأوان».
