بقلم: الباز عبدالإله
دخلت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان على خط الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 برسالة شديدة اللهجة إلى الناخبين، دعت فيها صراحة إلى عدم منح أصواتهم لمن تعتبر أنهم أساؤوا إلى حقوق الإنسان والحريات أو ارتبطت مساراتهم بشبهات الفساد الانتخابي، مطالبة في الوقت نفسه بمحاسبة المنتخبين على حصيلتهم السابقة بدل الاكتفاء بخطابات الحملة والوعود الجديدة.
النداء، الصادر عن المكتب المركزي للعصبة بالرباط والمؤرخ في 15 شتنبر 2026، تزامن مع اليوم الدولي للديمقراطية، قبل ثمانية أيام من موعد الاقتراع، وجاء تحت عنوان مباشر: «لا تمنحوا أصواتكم لمن كان خصماً لقيم حقوق الإنسان والحريات».
وتضع الوثيقة التي اطلع عليها CrashSiyasi المسؤولية أولاً على الناخب، معتبرة أن المشاركة السياسية الواعية لا تختزل في وضع ورقة داخل صندوق الاقتراع، وإنما تبدأ، بحسب مضمونها، من فحص مسارات المرشحين وبرامجهم ومواقفهم وما قدموه للمجتمع قبل طلب أصواته.
ورفعت العصبة سقف خطابها عندما دعت الناخبات والناخبين إلى ألا يمنحوا ثقتهم لمن «تحوم حول مسارهم شبهة الفساد الانتخابي»، أو لمن ثبت تورطهم في شراء الأصوات واستغلال الفقر والحاجة، أو استعمال المال والنفوذ والموارد العمومية للتأثير في إرادة المواطنين.
ولا تتوقف الرسالة عند المرشحين الجدد، إذ تضع البرلمانيين والمنتخبين الساعين إلى ولاية أخرى أمام اختبار الحصيلة. فالهيئة الحقوقية تدعو المواطنين إلى عدم تقييمهم بخطابات الحملة ووعودها الجديدة أو بما وصفته بـ«مهرجانات التملق وتبادل التهم»، وإنما بما أنجزوه فعلياً خلال الولاية المنتهية.
وتحدد الوثيقة أدوات هذا التقييم بصورة أكثر دقة: الأسئلة الكتابية والشفوية، وطبيعة القضايا التي أثارها المنتخبون، ومدى فعاليتهم داخل اللجان القطاعية، ومساهمتهم في التشريع والرقابة والدفاع عن مصالح المواطنين.
بهذه الصيغة، ينقل النداء النقاش من سؤال «ماذا يعد المرشح؟» إلى سؤال يتعلق بحصيلة المنتخبين العائدين إلى صناديق الاقتراع: ماذا فعلوا خلال السنوات التي منحهم فيها الناخبون أصواتهم؟
وتشدد العصبة على أن «الانتخاب تكليف بالمحاسبة وليس تفويضاً مفتوحاً»، معتبرة أن صوت المواطن حق ومسؤولية وأداة للمحاسبة والاختيار، وأن تحويله إلى سلعة تباع أو امتياز يمنح تحت الضغط أو الإغراء أو الخوف يضر بالمسار الديمقراطي.
وتذهب الوثيقة أبعد من مسؤولية الناخب والمرشح، لتضع السلطات والمؤسسات والأحزاب ووسائل الإعلام والمجتمع المدني أمام مسؤولية جماعية في حماية نزاهة العملية الانتخابية وضمان المساواة وتكافؤ الفرص وحياد الإدارة.
وبحسب النداء، فإن الاختيار الحر لا يتحقق في ظل المال الانتخابي أو الضغط أو استغلال المرافق العمومية ودور العبادة والعمل الخيري، ولا في ظل نشر الأخبار الزائفة والتشهير والتحريض وخطابات الكراهية.
لهذا دعت الهيئة المواطنين إلى التبليغ عن كل محاولة لشراء الأصوات أو التأثير غير المشروع في إرادتهم، وإلى توثيق الخروقات بالوسائل القانونية وعدم الخضوع للتهديد أو الابتزاز أو الوعود الموسمية.
وفي الاتجاه نفسه، حثت مختلف أجهزة المراقبة والسلطات القضائية والإدارية على التعامل الجاد والفوري مع الشكايات، وترتيب الآثار القانونية على كل خرق ثابت «بعيداً عن الانتقائية أو التساهل».
وتكتسب هذه الدعوة سياقاً أوسع بالنظر إلى مواقف سابقة للعصبة بشأن المنظومة الانتخابية.
ففي شتنبر 2025، كانت المنظمة قد طالبت بإشراك المجتمع المدني في إصلاح هذه المنظومة، وبضمان شفافية تمويل الحملات وتكافؤ الولوج إلى الإعلام وتعزيز آليات الرقابة ومكافحة الفساد الانتخابي.
لكن نداء 2026 ينتقل من مستوى إصلاح القواعد إلى مخاطبة الناخب نفسه قبيل التصويت، ويضع أمامه مجموعة من العناصر لتقييم المرشح، من بينها سجله السابق في الحقوق والحريات والمحاسبة والعمل البرلماني أو الانتخابي.
الوثيقة تستعمل أيضاً عبارة قوية في خاتمتها، إذ تقول إن المغرب يحتاج إلى «ناخب حر»، وإلى مؤسسات تعكس الإرادة الحقيقية للمواطنين، وإلى منتخبين يدركون أن الانتخاب «تكليف بالمحاسبة وليس تفويضاً مفتوحاً».
وتضيف أن صون الصوت الانتخابي هو صون للديمقراطية وحماية للاختيار الشعبي ودفاع عن حق المغاربة في مؤسسات نزيهة ومسؤولة وجديرة بالثقة.
وتختتم العصبة نداءها برسالة مباشرة إلى المواطنين: «شاركوا بكثافة، اختاروا بوعي، وحاسبوا بالتصويت»، قبل أن تضيف: «لا تمنحوا أصواتكم لمن أفسد السياسة أو خذل ثقة المواطنين، ولا تتركوا غيركم يقرر باسمكم مستقبل المؤسسات والبلاد».
وبذلك تدخل الهيئة الحقوقية الأيام الأخيرة السابقة لاقتراع 23 شتنبر برسالة لا تكتفي بالدعوة التقليدية إلى المشاركة، وإنما تدعو الناخبين إلى فتح «دفتر الحساب» قبل ورقة التصويت: ماذا فعل المرشح سابقاً؟ كيف مارس مسؤوليته؟ ماذا قدم داخل البرلمان أو المجالس المنتخبة؟ وما علاقته بالحقوق والحريات والمال الانتخابي؟
أسئلة تضع الولاية السابقة، لا وعود الأيام الأخيرة من الحملة، في قلب عملية التقييم قبل التصويت.
