أعاد الباحث والكاتب إدريس الكنبوري انتخابات 8 شتنبر 2021 إلى قلب النقاش السياسي، مستنداً إلى تزامن ثلاثة ملفات ثقيلة ظهرت بقوة قبيل تشريعيات 2026: حرب الاتهامات بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة حول المال العام وملف ما بات يعرف بـ«الفراقشية»، والمعطيات الجديدة التي قدمها دفاع البرلماني السابق رشيد الفايق بشأن انتخابات 2021، ثم السؤال القديم المتجدد حول الظروف التي انتهت بحزب العدالة والتنمية إلى المرتبة الثامنة في تلك الانتخابات.
الكنبوري ذهب أبعد من قراءة هذه الوقائع باعتبارها مجرد سجالات انتخابية، وكتب في تدوينة على صفحته بموقع فيسبوك أن «الاتهامات المتبادلة بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار حول المبالغ الطائلة التي تم تهريبها إلى جيوب الفراقشية»، إلى جانب ما كشفه دفاع رشيد الفايق، تثير أسئلة تتجاوز الصراع الجاري بين الأحزاب إلى ما وقع فعلاً في انتخابات 2021.
وتأتي تدوينته بينما تحولت العلاقة بين «الأحرار» و«البام» خلال الأسابيع الأخيرة إلى مواجهة سياسية مفتوحة، شملت اتهامات باستمالة المنتخبين والضغط والإكراه والترهيب والترغيب، ووصلت إلى ملف «الفراقشية» والاستفادة من الدعم العمومي وتضارب المصالح. وهي اتهامات سياسية متبادلة لا تشكل في ذاتها إثباتاً قضائياً، لكنها تعكس حجم التصدع بين حزبين كانا شريكين في الأغلبية الحكومية خلال الولاية المنتهية.
ملف «الفراقشية» نفسه ارتبط بنقاش واسع حول الدعم العمومي الموجه إلى استيراد الماشية واللحوم الحمراء، بعدما دار الجدل البرلماني حول مبالغ تناهز 13.3 مليار درهم، وفشلت محاولات تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق بشأن كيفية تدبير هذه الأموال والمستفيدين منها.
لكن العنصر الأكثر حساسية في تدوينة الكنبوري يتعلق بعودة ملف رشيد الفايق، البرلماني السابق عن حزب التجمع الوطني للأحرار بدائرة فاس الجنوبية، إلى الواجهة القضائية والسياسية. وتؤكد معطيات مجلس النواب أن الفايق كان بالفعل نائباً باسم التجمع الوطني للأحرار خلال الولاية التشريعية 2016-2021.
الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس أعلن مواصلة البحث في شكاية سبق أن تقدم بها الفايق، بعدما ظهرت خلال ندوة صحفية عقدها دفاعه معطيات لم تكن واردة في الشكاية الأصلية.
وكانت الشكاية تتضمن، بحسب المعطيات المنشورة بشأن البلاغ، ادعاءات من الفايق بأنه تعرض للابتزاز والتهديد بالسجن خلال الحملة الانتخابية لسنة 2021.
الأكثر إثارة جاء على لسان محاميه محمد حاسي، الذي قدم رواية قال إنها تعود لموكله بشأن أموال مرتبطة بتلك الانتخابات.
ومن بين ما أورده الدفاع ادعاء الفايق أنه شاهد رزم أموال داخل الصندوق الخلفي لسيارة قال إنها تعود إلى محمد شوكي، الرئيس الحالي للتجمع الوطني للأحرار، وقدّر الدفاع قيمتها بنحو سبعة ملايير سنتيم، رابطاً إياها، وفق رواية موكله، باستعمالات انتخابية وشراء الأصوات.
كما تحدث الدفاع عن مبالغ أخرى في حدود 800 مليون و200 مليون سنتيم.
هذه تبقى ادعاءات صادرة عن دفاع الفايق وليست حقائق قضائية ثابتة، خصوصاً أن النيابة العامة كانت قد حفظت الشكاية مؤقتاً بعدما لم يقدم المشتكي، وفق البلاغ المنشور، تصريحات تفصيلية أو عناصر إثبات كافية في المرحلة الأولى.
الجديد هو أن ظهور تفاصيل إضافية في ندوة الدفاع دفع النيابة العامة إلى إعلان مواصلة البحث وترتيب الآثار القانونية على ضوء نتائجه.
وهنا بالضبط يضع الكنبوري إصبعه على انتخابات 2021 نفسها.
فبالنسبة إليه، تزامن الاتهامات التي يطلقها اليوم شركاء الأمس، مع رواية مسؤول حزبي وبرلماني سابق كان جزءاً من المشهد الانتخابي آنذاك، يجعل السؤال لا يتعلق فقط بمسؤولية شخص أو حزب، وإنما بما إذا كانت هناك جوانب من استحقاقات 8 شتنبر 2021 ما تزال مجهولة للرأي العام.
وكتب الكنبوري أن هذه الوقائع «تبين لنا بأننا أمام عصابات سياسية في المغرب»، وهو توصيف سياسي حاد يتحمل صاحبه مسؤوليته، قبل أن يربطه بسؤال يعتبره بلا جواب حتى الآن حول «ما حصل في انتخابات 2021، وعما وراء الرتبة الثامنة التي احتلها حزب العدالة والتنمية».
ومن هنا طرح الكنبوري سؤالاً شديد اللهجة: «فهل ستصبح انتخابات 8 شتنبر 2021 لغزاً مثل لغز 16 ماي 2003؟»
المقارنة التي يطرحها لا تقدم دليلاً على وجود رابط بين الحدثين، ولا ينبغي قراءتها بهذا المعنى؛ إنها مقارنة بلاغية يستخدمها الكنبوري للإشارة إلى ما يعتبره أسئلة لم تحصل، في نظره، على أجوبة كاملة، واستدعاء 16 ماي يرفع بالتالي سقف تدوينته من نقد الانتخابات إلى التشكيك في مقدار ما يعرفه الرأي العام عن كواليس مرحلة سياسية كاملة.
لكن اختبار هذه الأسئلة لا يمكن أن يتم بالتدوينات أو بالتراشق الحزبي.
فإذا كانت ادعاءات دفاع الفايق قابلة للإثبات، فإن البحث القضائي الجاري هو المسار الذي يمكن أن يحدد حقيقة الأموال التي تحدث عنها، ومصدرها ووجهتها، وما إذا كانت مرتبطة بالفعل بالعملية الانتخابية، ومن يتحمل المسؤولية القانونية عنها إن ثبتت الوقائع.
وفي المقابل، إذا لم تثبت تلك الادعاءات، فإن ذلك سيكون معطى أساسياً بالقدر نفسه، لأن خطورة الحديث عن سبعة ملايير سنتيم وشراء أصوات وتهديد بالسجن تفرض التمييز الصارم بين الرواية السياسية والحقيقة التي يمكن إثباتها بالأدلة.
غير أن ما يمنح تدوينة الكنبوري قوتها السياسية ليس إصدار حكم مسبق في الملف، وإنما توقيتها: المغرب على بعد أيام من انتخابات تشريعية جديدة، بينما تعود انتخابات سابقة عمرها خمس سنوات إلى الواجهة من داخل خلافات أطراف شاركت في صناعة المشهد السياسي الذي أعقبها.
وبذلك يصبح السؤال الذي تفتحه التدوينة أكبر من مصير رشيد الفايق أو خلاف «الأحرار» و«البام»: إذا كان مسؤولون وفاعلون كانوا قريبين من دوائر القرار الحزبي والانتخابي يتبادلون اليوم روايات واتهامات تتعلق بالمال والنفوذ والضغط واستمالة المنتخبين، فكم يعرف المغاربة فعلاً عما جرى خلف ستار انتخابات 2021؟
الكنبوري أنهى تدوينته بجملة تختصر الرسالة التي أراد توجيهها: «يوماً ما ستنكشف الأسرار التي تختبئ في صدور الأشرار عندما يتخاصمون ويظهر ما وراء الستار».
أما ما وراء الستار فعلياً، فلن تحسمه البلاغة السياسية ولا حرب الأحزاب، بل ما ستثبته التحقيقات والأدلة.
لكن مجرد مواصلة البحث في شكاية تتصل بادعاءات عن التهديد والمال الانتخابي لسنة 2021 يجعل الأسئلة التي عادت اليوم إلى السطح أسئلة تستحق جواباً موثقاً، لا أن تبقى معلقة إلى انتخابات أخرى.
