بقلم: الباز عبدالإله
رسم تحليل إسباني جديد صورة أكثر تفصيلاً للبنية الرقمية التي سبقت موجة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة نهاية يوليوز الماضي، بعدما خلصت دراسة متخصصة في تحليل المصادر المفتوحة إلى أن التعبئة عبر شبكات التواصل لم تكن، وفق نتائجها، مجرد انتشار عفوي لدعوات متفرقة، وإنما تحركت داخل شبكة أفقية واسعة ضمت مجموعات للتنسيق والتجنيد والتضخيم الرقمي.
ونشرت صحيفة «El País» الإسبانية، اليوم السبت 8 غشت 2026، أبرز نتائج الدراسة التي أنجزتها شركة «Golden Owl»، وهي شركة ناشئة متخصصة في الاستخبارات مفتوحة المصادر ومرتبطة بالمنتزه العلمي لجامعة أليكانتي، بعدما تتبعت النشاط الرقمي المرتبط بأحداث سبتة، خصوصاً خلال الفترة الممتدة بين 24 و30 يوليوز.
والدراسة، المؤرخة في 3 غشت الجاري، اعتمدت على تحليل 25 حساباً ومجموعة وصفحة مرتبطة بالحملة على موقع «فيسبوك»، وخلصت إلى أن المجموعات التي صنفتها ضمن «النواة التشغيلية»، وتشمل فضاءات مرتبطة بالتجنيد والتنسيق وما تصفه بالسوق الموازي، كانت تضم نحو 478 ألف عضوية معلنة، فيما بلغ مجموع العضويات التي أحصتها في السطح الرقمي الكامل للشبكة حوالي مليون و32 ألفاً، إلى جانب صفحات تضخيم يتجاوز مجموع متابعيها نصف مليون.
غير أن هذه الأرقام لا تعني وجود أكثر من مليون شخص مختلف داخل الشبكة، إذ تشدد الدراسة نفسها على أن الحساب الواحد قد يكون عضواً في أكثر من مجموعة، وأن هذه الأرقام تعكس الحجم النظري للتعرض والوصول المحتمل للمحتوى ولا تمثل عدداً دقيقاً للأشخاص الذين شاركوا في التعبئة أو حاولوا الوصول إلى سبتة المحتلة.
وتصف الدراسة بنية رقمية من ثلاثة مستويات تختلف عن مفهوم «النواة التشغيلية» المستخدم في إحصاء مجموعات «فيسبوك»، إذ يتكون المستوى الأول، بحسبها، من دائرة تنسيق مغلقة عبر تطبيقات المراسلة الخاصة كانت تحدد نقاط الالتقاء والتوقيت وتناقش طرق العبور، بينما تشكل المستوى الثاني من مجموعات وصفحات عامة واسعة الانتشار على «فيسبوك»، أما المستوى الثالث فضم ما تصفهم الدراسة بـ«المجندين الصغار»، الذين كان كل واحد منهم يعمل على تكوين مجموعة محدودة والتواصل معها عبر الرسائل الخاصة.
وتعتبر «Golden Owl» أن أحد أبرز المؤشرات التي دفعتها إلى استبعاد فرضية العفوية الكاملة هو ما رصدته من عمليات تجنيد انتقائية تقوم على أعداد محددة، إذ أوردت مثالاً لمجند قالت إنه كان يبحث عن فتاتين وستة شبان لتكوين مجموعة، فيما عمل آخر على جمع ما وصفه بـ«مجموعة كبيرة»، قبل نقل التواصل من الفضاء العام إلى قنوات خاصة.
كما سجل الباحثون استعمال مجموعة من الأساليب الرامية، بحسب تفسيرهم، إلى تقليل إمكانية رصد الاتصالات، من بينها تغيير الكلمات المفتاحية باستمرار، وتجزئة بعض الكلمات بعلامات الترقيم لتفادي الرصد الآلي، واستعمال حسابات محدودة النشاط، وعدم وضع روابط مجموعات «واتساب» و«تلغرام» داخل المنشورات مباشرة، بل في التعليق الأول عليها.
ولم ترصد الدراسة، مع ذلك، قيادة مركزية واحدة تقف على رأس الشبكة، بل اعتبرت أن أهم ما توصلت إليه هو وجود تنظيم أفقي بلا «رأس» واحد يمكن أن يؤدي توقيفه أو إغلاق حسابه إلى تفكيك البنية كاملة، إذ تحدثت عن هوية مشتركة ومفردات ورموز وشعارات متداولة، مقابل تعدد الأشخاص الذين كانوا يتولون تكوين مجموعات صغيرة بشكل مستقل.
وفي ما يتعلق بالخلفية السياسية، لا تقدم الدراسة دليلاً على ارتباط الشبكة بحزب أو مؤسسة رسمية أو جمعية أو منظمة محددة، بل تؤكد أن المجموعات التي جرى تحليلها لم تكن موحدة أيديولوجياً، وأن ما جمع بينها أساساً كان خطاب التذمر والرغبة في المغادرة، إلى جانب أنماط مختلفة من الخطاب السياسي والاجتماعي.
ويكتسي هذا التفصيل أهمية خاصة بالنظر إلى تعدد الروايات السياسية التي ظهرت بعد أحداث سبتة، إذ إن دراسة «Golden Owl» تقدم تحليلاً لبنية التعبئة الرقمية، لكنها لا تثبت مسؤولية دولة أو جهاز رسمي عن تنظيمها، كما أن موقع «Le Grand Continent»، الذي حلل الدراسة في 4 غشت، شدد على أن فرضية وجود «تنسيق» تظل في هذه المرحلة استنتاجاً بحثياً يحتاج إلى إثبات رسمي.
وطلبت قاضية بالمحكمة الوطنية الإسبانية من الشرطة إعداد تقرير لتحديد ما إذا كانت موجة العبور الجماعي نتيجة تحرك متفق عليه ومنظم تقف خلفه منظمة أو مجموعة إجرامية، وهو مسار قضائي منفصل لم يحسم، إلى حدود الآن، في صحة الاستنتاجات التي توصل إليها التحليل الرقمي أو في هوية الجهات التي قد تكون مسؤولة عن أي تنظيم محتمل.
وتطرقت الدراسة كذلك إلى الجانب الاقتصادي، إذ اعتبرت أن بعض الفضاءات الرقمية لم تكن تتحرك بدوافع سياسية أو اجتماعية فقط، وإنما كانت تستفيد من نمو جمهورها لأغراض الربح والإعلانات، بالتوازي مع ظهور عروض وساطة مدفوعة الأجر لنقل شبان من مدن مغربية مثل الدار البيضاء وفاس في اتجاه سبتة المحتلة.
وحدد التحليل عدداً من الملفات التي اعتبرها مركزية داخل الشبكة، من بينها شخص من الدار البيضاء يقيم في إسطنبول قالت الدراسة إنه استعمل رقماً تركياً على «واتساب» للتواصل، إضافة إلى مسؤول عن مجموعة كبيرة يقول إنه يقيم في روما، وحساب آخر من منطقة تطوان قالت الدراسة إنه كان يعيد توزيع المحتوى داخل ثلاث مجموعات يصل عدد أعضاء كل واحدة منها إلى حوالي 50 ألفاً.
وتظل هذه المعطيات ناتجة عن التحليل الرقمي الذي أجرته الشركة، ولم تعلن السلطات القضائية الإسبانية، إلى حدود الآن، ثبوت مسؤولية أصحاب هذه الحسابات جنائياً عن أحداث سبتة.
كما أشار الباحثون إلى وجود مؤشرات رقمية مرتبطة بأصول جزائرية داخل جزء من الشبكة، لكنهم لم يقدموا ذلك باعتباره دليلاً على مسؤولية رسمية جزائرية، بل تحدثوا عن أصول أو مجموعات ربما أعيد استعمالها أو اقتناؤها، معتبرين أن السيناريو الذي يرونه أكثر ترجيحاً هو شبكة يقودها مغاربة وتستعمل فضاءات رقمية متعددة المنشأ.
واللافت أن الدراسة لا تختزل ما وقع في التكنولوجيا أو شبكات التواصل الاجتماعي وحدها، إذ تقر بأن الإحباط الاجتماعي والرغبة في الهجرة عنصران حقيقيان في تفسير استعداد أعداد كبيرة من الأشخاص للاستجابة لمثل هذه الدعوات، لكنها تفرق بين وجود هذا الاستعداد وبين الآليات الرقمية التي تقول إنها عملت على تنظيمه وتوجيهه وتضخيمه.
وتفتح هذه النتائج ملفاً جديداً داخل النقاش الذي أعقب مأساة سبتة المحتلة، لأن السؤال لم يعد مرتبطاً فقط بعدد من استجابوا لدعوات العبور، بل أيضاً بكيفية انتقال رسالة من مجموعات مغلقة ومجندين محدودين إلى فضاء رقمي يتجاوز مليون عضوية معلنة، ومن كان يدير هذه البنية، وما إذا كانت التحقيقات الرسمية ستؤكد الاستنتاجات التي توصل إليها التحليل الرقمي أم ستقدم تفسيراً مختلفاً لما سبق أحداث نهاية يوليوز.
