بقلم: الباز عبدالإله
وضعت أرقام رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات دقة توقعات الحكومة بشأن عائدات تفويت مساهمات الدولة أمام مفارقة مالية لافتة، بعدما أدرجت قوانين المالية توقعات بقيمة 5 مليارات درهم سنوياً خلال سنوات 2022 و2023 و2024، أي ما مجموعه 15 مليار درهم في ثلاث سنوات، بينما لم تتجاوز التحصيلات الفعلية مجتمعة نحو 3.3 مليارات درهم.
المعطيات وردت في تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، المنشور رسمياً في 8 يوليوز 2026، ضمن تحليل دقة توقعات المداخيل غير الجبائية ومقارنتها بما دخل فعلياً إلى خزينة الدولة.
وبحسب الجدول الذي أورده المجلس، توقعت الحكومة خلال سنة 2022 تحصيل 5 مليارات درهم من عائدات تفويت مساهمات الدولة، لكن السنة انتهت دون تسجيل أي تحصيل من هذا الباب، لتستقر نسبة الإنجاز عند صفر في المائة.
وتكرر إدراج المبلغ نفسه في قانون مالية 2023، حيث توقعت الحكومة مجدداً تحصيل 5 مليارات درهم، إلا أن المداخيل الفعلية لم تتجاوز ملياراً و607 ملايين درهم، أي بنسبة إنجاز بلغت 32.1 في المائة، وبفارق سلبي ناهز 3.39 مليارات درهم.
ولم يتغير الرقم المتوقع خلال سنة 2024، إذ أدرجت الحكومة للمرة الثالثة على التوالي 5 مليارات درهم كعائدات مرتقبة من تفويت مساهمات الدولة، بينما انتهت السنة بتحصيل 1.7 مليار درهم فقط، أي 34 في المائة من التوقعات، وبفارق قدره 3.3 مليارات درهم.
وهكذا، راهنت قوانين المالية خلال السنوات الثلاث على تحصيل 15 مليار درهم، بينما لم يدخل فعلياً من هذه العمليات سوى حوالي 3.307 مليارات درهم، بما يعادل نحو 22 في المائة فقط من المبلغ المتوقع خلال الفترة، وبفارق يقارب 11.7 مليار درهم بين ما جرى تقديره وما تحقق فعلياً.
ولا يتعلق الأمر بفارق ظهر خلال سنة واحدة، إذ وسع المجلس تحليله ليشمل الفترة الممتدة من 2016 إلى 2024، مسجلاً قصوراً تراكمياً في عائدات تفويت مساهمات الدولة بلغ حوالي 9.9 مليارات درهم.
وخلال الفترة بكاملها، وصلت التقديرات المدرجة في قوانين المالية إلى 24 مليار درهم، مقابل تحصيلات مرتبطة بالسنوات التي تضمنت توقعات ظلت أدنى بكثير من تلك المبالغ، لتبلغ نسبة الإنجاز الإجمالية التي سجلها المجلس 58.6 في المائة.
وكانت سنة 2021 من الحالات التي تجاوز فيها التحصيل التوقعات، بعدما دخلت 5.416 مليارات درهم مقابل 4 مليارات متوقعة، بنسبة إنجاز بلغت 135.4 في المائة، كما تجاوزت التحصيلات سنة 2019 التوقعات بوصولها إلى 5.344 مليارات درهم مقابل 5 مليارات مبرمجة.
لكن الصورة انقلبت ابتداء من 2022، حين توقعت الميزانية 5 مليارات درهم ولم يتحقق أي تحصيل، قبل أن يستمر الفارق الكبير بين المتوقع والمحقق سنتي 2023 و2024.
وسجل المجلس في هذا السياق ملاحظة مرتبطة بصدقية هذه التوقعات، معتبراً أن الطابع الظرفي لعمليات التفويت، وارتباطها بتطورات السوق المالية وظروف التثمين ومدى نضج العمليات، يمكن أن يفسر جانباً من الفوارق بين الأرقام المتوقعة والتحصيلات الفعلية.
غير أن المجلس توقف عند تكرار إدراج تقدير ثابت في حدود 5 مليارات درهم على امتداد سنوات متعاقبة، مقابل تحصيلات ظلت متدنية، معتبراً أن هذا الوضع يستدعي مراجعة الأسس المنهجية المعتمدة في تقدير هذه الموارد وتعزيز انسجامها مع متطلبات مبدأ الصدقية.
وتكتسي هذه الملاحظة أهمية خاصة لأن توقعات المداخيل ليست مجرد أرقام محاسبية مدرجة داخل قانون المالية، بل تدخل ضمن التوازنات التي تبنى عليها الميزانية وتقديرات الموارد والعجز والحاجيات التمويلية للدولة.
فحين تدرج الحكومة 5 مليارات درهم كمورد متوقع، ثم ينتهي التنفيذ بصفر درهم في سنة وبأقل من ملياري درهم في كل واحدة من السنتين المواليتين، يصبح الفارق بين التوقع والتحصيل مرتبطاً بدقة البرمجة المالية نفسها.
وزارة الاقتصاد والمالية، في جوابها المضمن في تقرير المجلس، قدمت من جهتها تفسيراً لهذه الفوارق، موضحة أن طبيعة بعض عمليات الخوصصة أو تفويت مساهمات الدولة تفرض التعامل مع المعلومات المرتبطة بها بقدر من التحفظ والسرية، حفاظاً على مصالح الدولة وضماناً لحسن سير العمليات واحترام قواعد السوق والمنافسة.
وأضافت الوزارة أن هذه الاعتبارات تفسر أحياناً اللجوء أثناء إعداد قانون المالية إلى تقديرات تستند إلى مؤشرات إجمالية أو أرقام تقريبية، بالنظر إلى صعوبة الكشف مسبقاً عن تفاصيل العمليات المرتقبة.
والمجلس نفسه أقر بأن طبيعة عمليات التفويت ترتبط بعوامل يصعب حسمها مسبقاً، من بينها أوضاع السوق وظروف تقييم الأصول ومدى جاهزية العمليات، كما شدد على أن تحسين صدقية التوقعات يجب ألا يؤدي إلى نشر معلومات يمكن أن تضر بسير عمليات التفويت أو تؤثر سلباً على شروط إنجازها.
لكن هذه الاعتبارات لم تمنع قضاة الحسابات من الدعوة إلى مراجعة منهجية التقدير، خصوصاً بعدما تحول مبلغ 5 مليارات درهم إلى رقم متكرر داخل الميزانية، بينما جاءت النتائج الفعلية بعيدة عنه خلال ثلاث سنوات متتالية.
ولا تعني هذه الأرقام أن 11.7 مليار درهم، وهي الفارق بين توقعات السنوات الثلاث والتحصيلات الفعلية، قد ضاعت من المال العام، لأن الأمر يتعلق بمداخيل كانت متوقعة ولم تتحقق، وليس بأموال تم تحصيلها ثم فقدانها.
لكنها تطرح سؤالاً مختلفاً يتعلق بصدقية الميزانية نفسها، فإذا كانت الحكومة قد برمجت 5 مليارات درهم سنة 2022 وانتهت السنة بصفر، ثم أعادت برمجة 5 مليارات سنة 2023 ولم تحصل سوى 1.607 مليار، ثم كررت الرقم نفسه سنة 2024 ولم يدخل إلى الخزينة سوى 1.7 مليار، فعلى أي أساس ظل التقدير نفسه يتكرر في قوانين المالية.
وهو تحديداً ما يجعل ملاحظة المجلس تتجاوز حصيلة التفويت إلى جودة البرمجة، لأن الفارق الكبير والمتكرر بين الأرقام المعلنة عند إعداد الميزانية والموارد المحصلة عند إغلاقها يضع منهجية بناء التوقعات أمام اختبار مباشر للصدقية.
