بقلم: الباز عبدالإله
أعادت أزمة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة إلى الواجهة واحدة من أبرز المفارقات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب، حيث يتجه الاقتصاد إلى تسجيل معدلات نمو تفوق 4 في المائة، ويواصل استقطاب الاستثمارات وتحديث بنياته، مقابل نحو 3 ملايين شاب بين 15 و29 سنة يوجدون خارج الشغل والدراسة والتكوين، واستمرار مستويات مرتفعة من البطالة وسط الفئات الشابة.
وجاء هذا التشخيص ضمن تقرير موسع نشرته صحيفة «إلباييس» الإسبانية اليوم الأحد 9 غشت 2026، تناول التداعيات السياسية والاجتماعية للأزمة الأخيرة، وربط ما حدث نهاية يوليوز بمؤشرات أوسع تتعلق بسوق الشغل والتفاوتات الاجتماعية وصعوبة إدماج جزء من الشباب في الدورة الاقتصادية.
ونقلت الصحيفة عن فرانسواز كونرادي، الخبيرة الاقتصادية بمؤسسة «Oxford Economics»، وصفاً للاقتصاد المغربي بأنه يعيش عملية تحديث، لكنه يتحرك «بسرعتين»، في إشارة إلى وجود قطاعات ومناطق تستفيد بوتيرة أكبر من الاستثمارات والنمو، مقابل فئات اجتماعية لا تنعكس عليها هذه الدينامية بالمستوى نفسه.
وتكتسب هذه الخلاصة وزناً إضافياً أمام المعطيات الرسمية المغربية، إذ سبق للمندوبية السامية للتخطيط أن قدرت عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة والموجودين خارج الشغل والدراسة والتكوين بنحو 2.9 ملايين شخص، أي ما يقارب 3 ملايين شاب.
أما بالنسبة إلى البطالة، فأشارت «إلباييس» إلى أنها تقترب من 30 في المائة وسط الشباب، فيما تظهر أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط الخاصة بالربع الثاني من سنة 2026 أن معدل البطالة بلغ 27.2 في المائة لدى الفئة المتراوحة أعمارها بين 15 و24 سنة، وفق المنهجية الجديدة المعتمدة في قياس سوق الشغل.
وتأتي هذه المؤشرات في وقت يحتفظ فيه الاقتصاد المغربي بتوقعات نمو مرتفعة نسبياً، إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى إمكانية تسجيل نمو بنحو 4.4 في المائة خلال 2026 و4.5 في المائة خلال 2027، مع استمرار النمو في مستويات تقارب 4 في المائة على المدى المتوسط.
وأشار تقرير الصحيفة إلى الاستثمارات الكبيرة التي راكمها المغرب في البنيات التحتية، وإلى دينامية عدد من القطاعات، من بينها الصناعة والسياحة والموانئ والخدمات المالية، غير أنه سجل في المقابل استمرار تفاوتات اجتماعية ومجالية، وصعوبة استفادة جميع الفئات من التحول الاقتصادي بالوتيرة نفسها.
وربط التقرير هذه المعطيات بحالة التذمر التي ظهرت وسط جزء من الشباب المغربي، معتبراً أن أزمة سبتة المحتلة سلطت الضوء من جديد على تحديات إدماج الشباب في سوق الشغل، وضمان فرص اقتصادية تسمح لهم ببناء مستقبل مستقر داخل البلاد.
ولم يقتصر التقرير على الجانب الاقتصادي، إذ تناول أيضاً التداعيات السياسية والجيوسياسية لموجة العبور الجماعي، في ظل النقاش المتواصل داخل إسبانيا والاتحاد الأوروبي بشأن طبيعة ما وقع، ومستقبل إدارة الحدود والتعاون مع دول الجوار في ملف الهجرة.
ونقلت «إلباييس» عن مصدر في الحكومة الإسبانية قوله إنه لا يرى مؤشرات تثبت أن المغرب نفذ ما وصف في بعض الأوساط الأوروبية بـ«هجوم هجين» بنية عدائية، بينما عرض التقرير في المقابل قراءات لخبراء ومحللين اعتبر بعضهم أن الأزمة بدأت بصورة عفوية قبل أن تتطور في ظل طريقة تعامل السلطات المغربية معها.
كما أورد التقرير موقف نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية تيريزا ريبيرا، التي اعتبرت أن حماية الحدود أصبحت جزءاً من مفهوم الاستقلال الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي، إلى جانب ملفات الطاقة والتكنولوجيا والمواد الأولية الحيوية، في ظل مخاوف أوروبية متزايدة من إمكانية استخدام تدفقات الهجرة أداة للضغط السياسي.
ويضع هذا النقاش مجدداً مؤشرات النمو الاقتصادي إلى جانب الواقع الاجتماعي لفئات واسعة من الشباب، فبين توقعات نمو تفوق 4 في المائة ونحو 3 ملايين شاب خارج الشغل والدراسة والتكوين، تعود إلى الواجهة مسألة مدى قدرة النمو والاستثمارات الكبرى على إنتاج فرص شغل واندماج اجتماعي يصل أثرهما إلى مختلف الفئات والمناطق.
