بقلم: الباز عبدالإله
أعادت صحيفة «ذا تايمز» البريطانية فتح ملف الهجرة من المغرب إلى سبتة المحتلة من زاوية اجتماعية واقتصادية، بعدما خصصت تقريراً جديداً للأسباب التي تدفع عدداً من الشباب المغاربة إلى التفكير في الرحيل، رغم مؤشرات النمو والاستثمارات والمشاريع الكبرى التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
وفي تقرير جديد أبرزته الصحيفة الأحد 9 غشت 2026، تحت عنوان «لماذا لا يزال مهاجرو سبتة يائسين من مغادرة المغرب؟»، انتقلت «ذا تايمز» من سؤال كيفية وقوع موجة العبور الجماعي نهاية يوليوز الماضي إلى سؤال أعمق يتعلق بالأسباب التي تجعل الوصول إلى أوروبا خياراً يستحق المخاطرة بالنسبة إلى جزء من الشباب.
واستند التقرير إلى شهادات من داخل المغرب، من بينها شهادة علاء الدين بولعاز، البالغ من العمر 23 عاماً والمنحدر من طنجة، والحاصل على شهادة في التدبير التجاري، والذي سبق أن اشتغل في سلك الشرطة قبل أن يعمل حالياً في مصنع لتصدير الفواكه مقابل نحو 300 يورو شهرياً.
وبحسب ما نقلته الصحيفة، فإن بولعاز يعتبر أن دخله الحالي لا يكفي لتغطية مصاريفه، فيما يوجد شقيقه أنس، البالغ من العمر 21 عاماً، من دون عمل، وهي وضعية قدمتها «ذا تايمز» ضمن أمثلة على الصعوبات التي يواجهها بعض الشباب في بناء مسار مهني مستقر رغم حصولهم على تكوين أو شهادات.
وتحدث الشاب للصحيفة عن صعوبات مرتبطة بالشغل والصحة والتعليم، وعن شعور بأن البقاء داخل المغرب لا يوفر له الأفق الذي يبحث عنه، في وقت لا تزال فيه أوروبا تُقدَّم بالنسبة إليه باعتبارها فضاءً قد يمنحه فرصاً أفضل.
ولا يقتصر هذا الشعور، وفق التقرير، على الفئات ذات الدخل المحدود، إذ نقلت «ذا تايمز» أيضاً شهادة فاطمة، وهي سيدة تبلغ 33 عاماً وتعمل في مجال الموارد البشرية بالرباط وتحمل شهادتين جامعيتين، قالت إنها فكرت بدورها في العيش خارج المغرب رغم أن دخلها يفوق المتوسط.
وربطت فاطمة تفكيرها في المغادرة بجودة الخدمات الصحية والتعليمية وارتفاع تكاليف المعيشة، في مؤشر على أن الرغبة في الهجرة لا ترتبط دائماً بالبطالة أو الفقر وحدهما، وإنما يمكن أن تمتد إلى فئات من الطبقة الوسطى تبحث عن مستوى مختلف من الاستقرار والخدمات.
وفي المقابل، توقف التقرير عند مؤشرات الاقتصاد المغربي، مشيراً إلى أن معدل النمو يدور حول 4.5 في المائة، بالتزامن مع توسع صناعة السيارات وارتفاع الاستثمارات وتسجيل القطاع السياحي أرقاماً قياسية، بعدما استقبل المغرب نحو 19.8 مليون سائح خلال سنة 2025.
غير أن الصحيفة وضعت هذه المؤشرات في مواجهة تجربة يومية مختلفة لدى جزء من السكان، معتبرة أن النمو على المستوى الكلي لا يعني بالضرورة شعور جميع الفئات بتحسن أوضاعها بالوتيرة نفسها.
ونقلت «ذا تايمز» عن أستاذ العلوم السياسية محمد دعداوي حديثه عن وجود إحساس بـ«الحرمان النسبي» لدى شرائح من المجتمع، حيث تبدو النجاحات الاقتصادية والمشاريع الكبرى واضحة على المستوى الوطني، بينما لا يشعر بعض المواطنين بأن آثارها تنعكس بالقدر نفسه على فرصهم ودخولهم وجودة الخدمات التي يحصلون عليها.
كما أعاد التقرير إلى الواجهة النقاش بشأن الأولويات الاجتماعية بالمغرب، وخاصة الصحة والتعليم والتشغيل، في مقابل الاستثمارات الضخمة المرتبطة بالبنية التحتية والاستعدادات لكأس العالم 2030.
واستحضرت الصحيفة في هذا السياق احتجاجات رفعت شعارات من قبيل «المستشفيات قبل الملاعب»، ضمن النقاش المتعلق بأولويات الإنفاق العمومي والخدمات الاجتماعية في مقابل المشاريع المرتبطة بالبنيات التحتية والاستعدادات لكأس العالم 2030.
وبحسب التقرير، فإن موجة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة لم تكن مرتبطة بعامل واحد، إذ تداخلت فيها دوافع اقتصادية واجتماعية وشخصية مع تأثير شبكات التواصل الاجتماعي والدعوات الرقمية إلى العبور.
وتأتي معالجة «ذا تايمز» بعد أسابيع طغى فيها البعد الأمني وتدبير الحدود على أغلب التغطيات المرتبطة بأزمة سبتة المحتلة، قبل أن تنتقل تقارير دولية تدريجياً إلى البحث في الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية التي جعلت آلاف الأشخاص يعتبرون الهجرة خياراً ممكناً رغم المخاطر المرتبطة بها.
وبهذا التقرير، أعادت الصحيفة البريطانية طرح مفارقة تتجاوز أزمة الحدود نفسها: اقتصاد يحقق نمواً ويستقطب الاستثمارات ويستعد لتنظيم أكبر التظاهرات الدولية، مقابل جزء من الشباب لا يزال يبحث عن فرصه خارج البلاد، في مفارقة تعيد السؤال حول مدى وصول ثمار هذا النمو إلى مختلف الفئات الاجتماعية.
