بقلم: الباز عبدالإله
أعاد عرض مالي تجاوز 89 مليون سنتيم، قُدم ضمن صفقة عمومية أطلقتها جماعة مولاي عبد الله أمغار بإقليم الجديدة، سؤال تدبير المال العام إلى الواجهة، بعدما أظهرت معطيات منشورة أن طلب العروض يتعلق بخدمات الإيواء والإطعام والاستقبال، بينما أفادت جريدة «العمق المغربي» بأن دفتر التحملات يتضمن 390 ليلة مبيت و1000 وجبة غداء لفائدة رجال السلطة، في توقيت لا يفصل البلاد عن الانتخابات التشريعية سوى أسابيع قليلة.
وتؤكد بيانات طلب العروض رقم 30/2026CTMA أن جماعة مولاي عبد الله أمغار أطلقت صفقة بعنوان «مصاريف الإيواء والإطعام والاستقبال بجماعة مولاي عبد الله – إقليم الجديدة»، نُشرت يوم 24 يونيو 2026، وحدد يوم 20 يوليوز موعداً لفتح الأظرفة، فيما بلغ التقدير الإداري الأولي 833 ألفاً و250 درهماً، أي أزيد من 83.3 مليون سنتيم.
وتفيد المعطيات المنشورة بشأن محضر فتح الأظرفة بأن العرض المالي المقدم من شركة STE CALIFORNIA TRANSPORT بلغ 890 ألفاً و835 درهماً، أي 89 مليوناً و83 ألفاً و500 سنتيم.
وبذلك يفوق مبلغ العرض التقدير الإداري الأولي بـ57 ألفاً و585 درهماً، أي بنحو 6.9 في المائة، وهو فارق لا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود مخالفة، كما أن فتح الأظرفة لا يعني بالضرورة الإسناد النهائي للصفقة ما لم تصدر الوثيقة التي تثبت ذلك.
غير أن جوهر القضية لا يتعلق بالفارق المالي وحده، وإنما بطبيعة الخدمات موضوع طلب العروض، والجهة المستفيدة منها، والسند الذي يبرر تحميل كلفتها لميزانية جماعة مولاي عبد الله أمغار.
ونشرت جريدة «العمق المغربي»،أمس الأحد 9 غشت 2026، معطيات قالت إنها تستند إلى مصادر مطلعة ودفتر التحملات، تفيد بأن الصفقة تشمل 390 ليلة مبيت بإحدى المؤسسات الفندقية في سيدي بوزيد، مرفقة بوجبات الإفطار، إلى جانب 1000 وجبة غداء بمطعم خارجي، وأن هذه الخدمات موجهة لفائدة رجال السلطة.
وتظل تفاصيل 390 ليلة مبيت و1000 وجبة والجهة المستفيدة منسوبة إلى ما نشرته «العمق المغربي»، في ظل عدم توفر نسخة مفتوحة من دفتر التحملات تسمح بمراجعة هذه المعطيات بصورة مستقلة.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن أن يبقى خارج الملف: أين هي وزارة الداخلية؟
فرجال السلطة الذين تشير المعطيات المنشورة إلى استفادتهم من الإقامة والإطعام لا ينتمون إدارياً إلى جماعة مولاي عبد الله أمغار، وإنما إلى جهاز تابع لوزارة الداخلية، ما يطرح مباشرة مسألة الجهة التي يفترض أن تتحمل النفقات المرتبطة بمهامهم الرسمية.
فإذا كان حضور هؤلاء المسؤولين مرتبطاً بمهمة تدخل ضمن اختصاصاتهم الوظيفية، فلماذا تتحمل ميزانية جماعة مولاي عبد الله أمغار كلفة إقامتهم وإطعامهم؟ وهل جاءت هذه الحاجيات بطلب من مصالح وزارة الداخلية أو السلطات الترابية؟ ومن حدد 390 ليلة مبيت و1000 وجبة غداء؟ وهل توجد مراسلات أو أوامر بمهمات تحدد عدد المستفيدين ومدة إقامتهم وطبيعة المهام التي سيقومون بها؟
وتوجد وزارة الداخلية عملياً في قلب هذه المعادلة، سواء باعتبار رجال السلطة تابعين لها، أو بحكم موقع السلطات الترابية داخل منظومة المراقبة الإدارية للجماعات.
ومن ثم لا يتوقف النقاش عند مسؤولية رئيس جماعة مولاي عبد الله أمغار، بل يمتد أيضاً إلى عمالة إقليم الجديدة ووزارة الداخلية، لمعرفة ما إذا كانت مصالحهما على علم بتخصيص هذه النفقات، وما إذا شاركتا في تحديد الحاجيات، والسند الإداري والمالي الذي يبرر تحمل ميزانية الجماعة مصاريف إقامة وإطعام موظفين تابعين للإدارة الترابية.
ولا يتعلق الأمر بالطعن في مبدأ التنسيق بين الجماعة والسلطات خلال التظاهرات الكبرى، وإنما بالحاجة إلى جواب إداري ومحاسباتي واضح يحدد الجهة التي طلبت هذه الخدمات، وعدد المستفيدين وصفاتهم، وكلفة الليلة الواحدة والوجبة، وسبب أداء الجماعة للمصاريف بدل الإدارة التي ينتمي إليها المستفيدون.
وقد يقدم سياق موسم مولاي عبد الله أمغار جزءاً من التفسير، إذ تُنظم دورة سنة 2026 بين 7 و14 غشت، وتظهر الجماعة ضمن الجهات المشاركة في التنظيم، ما يجعل ارتباط خدمات الإقامة والإطعام بحاجيات الموسم احتمالاً منطقياً بالنظر إلى توقيت إطلاق الصفقة.
غير أن ضخامة التظاهرة وحجم الترتيبات الأمنية والإدارية لا يعفيان من تحديد المسؤولية المالية لكل جهة، ولا يجيبان عن السؤال المتعلق بسبب تحميل ميزانية جماعة مولاي عبد الله أمغار هذه المصاريف تحديداً.
وتبرز علامة استفهام أخرى مرتبطة بالشركة صاحبة العرض المالي، إذ يعرّف الموقع الإلكتروني لـCalifornia Transport الشركة باعتبارها متخصصة في النقل وكراء السيارات، ويعرض ضمن خدماتها نقل المستخدمين والنقل السياحي ونقل البضائع وكراء السيارات، كما يحدد مقرها بمدينة الجديدة.
ولا يعني ذلك أن الشركة غير مؤهلة قانونياً لتنفيذ الصفقة، إذ تظهر قاعدة Alerte Marchés Publics، وهي قاعدة خاصة لتتبع الصفقات والطلبيات العمومية، حصول الشركة خلال سنة 2025 على طلبي شراء مرتبطين بخدمات الإطعام الجماعي لفائدة المديرية الإقليمية للشباب بالجديدة، بقيمتي 216 ألفاً و480 درهماً و205 آلاف و920 درهماً، إلى جانب صفقات وطلبيات في النقل وكراء السيارات.
غير أن طبيعة الصفقة، التي تجمع بين الإقامة والإطعام والاستقبال، تجعل من المشروع معرفة المؤهلات والتجارب والوسائل التي قدمتها الشركة لتنفيذ مختلف مكوناتها، إلى جانب المؤسسات الفندقية والمطاعم التي ستوفر هذه الخدمات فعلياً.
وتكتسب الصفقة حساسية إضافية بسبب توقيتها السياسي، فرئيس جماعة مولاي عبد الله أمغار، مولاي المهدي الفاطمي، يوجد ضمن مرشحي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بدائرة الجديدة في الانتخابات التشريعية المقبلة، وفق لائحة الترشيحات التي أعلن عنها الحزب في يونيو الماضي.
كما أن انتخابات مجلس النواب محددة يوم 23 شتنبر 2026، ما يعني أن الصفقة أطلقت قبل الاقتراع بنحو ثلاثة أشهر، وجرى فتح أظرفتها قبل الانتخابات بحوالي شهرين.
ولا يشكل هذا التزامن دليلاً على توظيف انتخابي للمال العام، ولا يسمح بتوجيه اتهامات إلى رئيس الجماعة أو وزارة الداخلية أو المستفيدين المفترضين من الصفقة دون وثائق أو قرائن، لكنه يضاعف الحاجة إلى الشفافية عندما يتعلق الأمر بإنفاق عمومي لفائدة موظفين ومسؤولين عموميين خلال مرحلة سياسية حساسة.
ولا يحتاج حسم الجدل إلى سجال سياسي، بل إلى نشر وثائق واضحة تشمل دفتر التحملات وجدول الأثمان والتفصيل الكمي والتقديري ومحضر فتح الأظرفة وقرار الإسناد النهائي عند صدوره، إلى جانب عدد المستفيدين وصفاتهم وطبيعة المهام التي تستوجب إقامتهم، وأي مراسلات أو طلبات صادرة عن السلطات الترابية تبرر تحمل الجماعة لهذه المصاريف.
وكانت «العمق المغربي» قد أفادت بأنها حاولت التواصل مع رئيس جماعة مولاي عبد الله أمغار، مولاي المهدي الفاطمي، للحصول على توضيحات بشأن الصفقة والسند المعتمد في تخصيص خدمات الإقامة والتغذية، مؤكدة أن اتصالاتها ورسائلها ظلت دون رد إلى حدود نشر مقالها يوم 9 غشت 2026.
وبين 390 ليلة مبيت و1000 وجبة، وفق المعطيات التي نشرتها «العمق المغربي»، وعرض مالي يبلغ 89 مليوناً و83 ألفاً و500 سنتيم، لم يعد السؤال متعلقاً بحاجيات موسم مولاي عبد الله أمغار وحدها، بل بالجهة التي يُراد تحميل ميزانية الجماعة كلفة إقامتها وإطعامها.
وإذا كانت هذه النفقات تستند إلى ترتيبات إدارية وقانونية مرتبطة بالموسم، فإن نشر سندها وتحديد طالبيها ومستفيديها كفيلان بحسم الجدل.
أما إلى ذلك الحين، فستبقى الأسئلة قائمة: لماذا يُراد تحميل ميزانية جماعة مولاي عبد الله أمغار كلفة إقامة وإطعام موظفين تابعين لوزارة الداخلية؟ ومن طلب هذه الخدمات؟ ومن بررها؟ وأين هي الوزارة من هذه الكلفة؟
